فهرس الكتاب

الصفحة 6985 من 19127

ومن المواطن التي يقع فيها اللبس أو التلبيس بداعي الهوى: دعوى الجرح والتعديل، وموطن المناظرة والرد، أما الجرح والتعديل فللوقوف معه مقامات لا يتسع لها هذا المقال، ولعل الحديث عنه يُفرد في مقالة، وأما الرد العلمي فكثيراً -ولا سيما في الأعصار المتأخرة- ما يخرج الراد عن حد بيان الخطأ وتصحيح النظر، فيتعدى ذلك إلى نوع من القدح لا يسوغه له مقام بيان الصواب، ورد الخطأ، وأهل العلم قد بينوا أنه لا يجوز في معرض الرد على المخالف إساءة الأدب، فكيف بالفحش والبذاءة.

قال الحافظ ابن رجب في (التحرير في الفرق بين النصح والتعيير) ، مقرراً جواز الرد وبيان غلط المخطئ ما لم يقصد به الخصم تنقص المردود عليه، قال:"اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره إنما يكون محرماً إذا كان المقصود منه مجرد الذم والعيب والتنقيص, فأما إن كان فيه مصلحة عامة للمسلمين، أو خاصة لبعضهم، وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة، فليس بمحرم، بل هو مندوب إليه".

قال:"وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل, وذكروا الفرق بين جرح الرواة والغيبة, وردوا على من سوّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه, ولا فرق بين الطعن في رواة ألفاظ الحديث، والتمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل, وبين تبين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة، وتأول شيئاً منهما على غير تأويله، أو تمسك منهما بما لا يتمسك به، ليحذر من الاقتداء به فيما أخطأ به".

قال:"وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضاً".

قال الحافظ:"ولهذا تجد كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير وشروح الحديث والفقه واختلاف العلماء وغير ذلك ممتلئة من المناظرات ورد أقوالِ من تضعفُ أقوالُه من أئمة السلف والخلف، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم, ولم ينكر ذلك أحدٌ من أهل العلم ولا ادعي أن فيه طعناً على من رد عليه قوله، ولا ذماً ولا تنقيصاً".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت