فهرس الكتاب

الصفحة 6954 من 19127

وثمَّةَ فرحٌ رابع ناشئ عن تناقص الأمتين؛ الروم في الواقعة الأولى, ثم الفرس في الواقعة الثانية, وفي هذا التناقص والضعف قوةٌ للإسلام وأهله؛ لأن المسلمين قاتلوا الفرس والروم فيما بعدُ، وانتصروا عليهم.

ذكر الزمخشري وأبو حيان [37,جـ3, ص197؛ 24, جـ7, ص 161] أن قوله تعالى: {غُلِبَت} قُرئت بالفتح على البناء للمعلوم، والروم فاعل, وقُرئت (سيُغلبون) بالمبني للمجهول, أي: سيغلبهم المسلمون فيما بعد, ويفرحون بهذا النصر.

وإذا كانت النكت - كما يقال - لا تتزاحم, فإن صور الفرح المذكورة لا تتزاحم أيضاً، وكلها محتمل في ضوء المناسبة والسياق.

جماع الأمر هنا: أن المسلم مأمور بأن يفرح، حين ينتصر الحق على الباطل، في أيٍّ من ميادين الصراع, وهو فرح محمود يثاب عليه, بل إن الفيروزآبادي حصر الفرح فيه، فقال:"ما أذن الله تعالى في شيء من الفرح إلا في هذا المقام", وأراد قوله: {بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} ، وفي قوله تعالى: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [42, جـ4, ص178] , ولعله أراد إبراز هذا النوع من الفرح لا حصره فيه.

إن بين الفرح بالإسلام والفرح بنصرته وأهله صوراً متعددة من الفرح المحمود, لا تكاد تحصى, أسماها [28, ص 397] منزلةً: الفرح بالله تعالى، وبأسمائه وصفاته, والفرح بالعبودية له سبحانه, والفرح كذلك بكلامه وأحكامه, والفرح برسوله - صلى الله عليه وسلم - وهذا أفضل ما يُعطاه العبد, وبها يبتهج القلب.

ولا شك أن دوام هذا - وما شاكلَه - إنما يكون بالتمكين للدين، وبزوال ما يضاده, وبانتصار أهله, ولهذا كان الفرح به محموداً, ويوازيه الفرح بانقطاع دابر الكافرين, وهو الفرح الذي يعبر عنه بحمد الله تعالى على هلاك أهل الشرك؛ لأن في هلاكهم تمكيناً للدين الحق, وهو أمر يفرح به أهل الإسلام، بمقابلة فرح أهل الكفر بالدنيا، ونسيان أمر الآخرة والكفر بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت