وكانت تعلوه كآبةٌ، فأنْصَتَ الشعب واحترم كآبةَ هذا الرجل الذي لو سَبَقَ به الدهر لَصَنَعَ يَرْمُوكًا أُخرى أو قَادِسِيَّةً ثانية، ولكنَّ الله الذي فتح تاريخنا في الأندلس بموسى، قد خَتَمَهُ الآن بموسى!
ونظر موسى حولَه، فإذا حولَه شيوخٌ قد أراق الكَرَمُ على شَيْباتهم بهاءه ونورَهُ، وأطفالٌ كالزَّهْر فتحوا عُيونهم على الدنيا فوجدوها غارقةً في بِركة منَ الدم، ونِسْوَةٌ تفتحتِ الأكمام عن زهراتها، فَرَأَتِ الطُّرقات مَنْ لم تكنِ الشمس تَرَاهُنَّ صِيانَةً وتَعَفُّفًا، قد بَرَزْنَ يَسِرْنَ إلى المعركة ويُزاحِمْنَ الرجال، ولم يكنَّ يَخْشَيْنَ على جَمَالِهِنَّ، فقد غَطَّتْ عاطفةُ الجِهاد على عاطفة الجنس، فكان كل رجل أخًا فيه لِكلِّ امرأة؛ فأَحْنَى رأسَهُ، ورأى الناسُ في عَيْنَيِ البطلِ دمعة تَتَرَقْرَقُ، وفَتَحَ فَمَهُ فحَبَسَ الناس أنفاسهم.
فإِذا هو يُعْلِنُ النَّبأَ المَهُولَ، نبأ تسليم أبي عبدالله الصغير مفاتيحَ غِرناطة! نبأٌ بدأ صغيرًا كما تبدو المصائب، فلم يَدْرِ الناس لهول المفاجأة ما أَثَرُ هذا وما خَطَرُهُ، ولكن القرونَ الآتياتِ دَرَتْ ما أَثَرُ هذا النبأ، ولم تفرغ إلى اليوم من وَصْفِ فواجعه وأهواله.
ونظر موسى فإذا الصَّرْح الذي أَنْفَقَ في إقامته الدَّهْرَ الأطولَ، قدِ انهار في دقائق، وإذا هذه الديارُ التي سُقِيَتْ بدم الجدود، وامتزجت برُفَاتِهِمْ، وقامتْ على أيديهم، يُسْلِمُها جبانٌ مَأْفونٌ للعدو المُغِير، وإذا السادة صاروا خولًا، والملوكُ عَبِيدًا، وجعل يفكِّر في هذه الفئة التي حولَه، في أكرم زَهرات غرناطة وأزكاها، هل يُجَنِّبُها الموتَ الحاصِرَ ويَرُدُّها إلى حيث وَجَدَتِ الراحة والدَّعة، أم يُخَلِّصُها من حياة كلُّها ذُلٌّ وأَلَمٌ، ويَسُوقُها إلى موت شريف؟