كنت أشعر في تلك اللحظة بوحدة مطلقة، كنت كالعائد لا إلى نفسه ولا إلى بلده ولكن إلى منطقة أثرية أخرى.
وعاد الدكتور مصطفى محمود من الأرشيف إلى منطقته الأثرية، وعدت أنا إلى منطقتي الأثرية الخاصة، كنت كمن كان نائماً واستيقظ فجأة، كمن كان يظن نفسه حياً واكتشف أنه ميت.
لقد نعتنا الله بوصف"ميتون"قال تعالى في سورة الزمر: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] ، وبالبحث في تفسير الآية وجدت أن المحكوم عليه بالموت يسمى ميتا (بالشدة) أما من مات فعلا فهو ميت: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:122] .
سوف يأتي يوم تقرأ فيه هذه الآية وعندها أكون ميتة وليس ميتة (بالشدة) ! وهى لحظة قد تكون الآن أو بعد ساعة أو بعد سنوات، لكنها آتية لا محالة؛ يقول عمر بن عبد العزيز:"إنما الدنيا حلم والآخرة يقظة".
الشعور بأني أعيش في منطقة أثرية لا يزال يساورنى كثيراً، منطقة أثرية بكل من وما فيها، إن رثاء إحدى مغنيات الفيديو كليب، التي تنقطع أنفاس البعض عند رؤيتها، إذا قرئ بعد وفاتها بعدة سنوات، لن يكون أقل سخرية من رثاء السيدة توحيده المغنية؛ فإن جلائل أعمال كلتاهما متقاربة كثيراً، حتى الأشياء: هذه القصور الفاخرة، هذه المنازل الأنيقة، هذا الأثاث الفاخر بعد فترة طالت أو قصرت لن يختلف عن أي قصر مهمل ومتهدم، لن يختلف هذا الأثاث عن قطع"الروبابيكيا"التي لا نكترث لها كثيراً، ونتعجب من ذوق من اشتروها منذ عشرات السنين.