ولكن ما حدث هو العكس تماماً، فكل درجة جديدة من الدعم والانحياز الأميركي لإسرائيل كان يترتب عليها مزيد من الانصياع العربي للإرادة الأميركية، وعلى وجه الدقة فإنه كلما تدعمت قوة إسرائيل ووجهت ضربات أكثر قوة للعرب، كلما هرولت الأنظمة العربية لاستجداء العطف وتقديم التنازلات للولايات المتحدة لحثها على إيقاف إسرائيل. ولنقارن بين حجم الوجود الأميركي في الوطن العربي في منتصف الستينيات وبينه في بداية الثمانينيات وخاصة بعد الغزو الإسرائيلي للبنان لنختبر صحة هذه الفرضية.
فإسرائيل تتوجه إلى الرأي العام والنخبة الأميركية لتنقل لهما رسالة محددة فحواها هي المقارنة بين الإنجاز الأميركي في جنوب شرق أسيا، والإنجاز الإسرائيلي في الشرق الأوسط في علاقة ذلك بالمصالح الأميركية. فالولايات المتحدة حاربت لأكثر من عشر سنوات في جنوب شرق آسيا لتخرج من هناك مهزومة ومثخنة بالجراح، ولتسقط أغلب دول المنطقة في يد الأحزاب الشيوعية وثيقة الصلة بموسكو. بينما أدى الأداء الإسرائيلي في الشرق الأوسط إلى إخراج السوفيت من المنطقة، وحماية المصالح الأميركية فيها، وتدعيم علاقات أميركا العربية، بل وحصول الولايات المتحدة على وجود عسكري مباشر في بعض دول المنطقة. فحصر الخدمات التي تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة طول. ويكفي ما اكتسبته الأسلحة الأميركية من سمعة في الشرق الأوسط بسبب ما أنجزته إسرائيل باستخدامها في حروبها بالمنطقة، حتى أن وزارة الدفاع الأميركية أرسلت لنظيرتها الإسرائيلية رسالة شكر بسبب (( حسن استخدام إسرائيل للأسلحة الأميركية ) ) [112] .