إن حكمة أبي الأسود جعلته يرفض الإذعان للعقلية الاستهلاكية منذ اليوم الأول، كان الرجل يؤمن أن من يسلم نفسه, وماله, وموارده للعقلية الاستهلاكية إنما يسلم مصيره للإخفاق والهلاك. وهذا ما لم تقبله عقلية أبي الأسود وما لا تقبله عقليات كل الأسوياء على مر الزمان. إن حكمة الرجل جعلته يفضل اقتناء مصدر إنتاجي (أرض للزراعة) بدلا من الحصان (كمصدر استهلاكي) .
لقد آن الأوان أن ندفع شعوبنا دفعا للبعد عن ثقافة الاستهلاك، وتثقيفهم بثقافة الإنتاج, والبعد عن المظهرية, وحب الظهور, والرغبة في التميز والاختلاف, وحب التملك, والتباهي. إذ يُجمع المتخصصون على أن العقلية الاستهلاكية عقلية سطحية بدائية، تميل إلى حب الظهور والتقليد بالتبعية، تربط السعادة دائما بالقدرة على اقتناء كل ما تشتهيه النفس. هدفها الأساسي في الحياة هو تحصيل الملذات مهما كانت الوسائل، وهذا يفتح المجال عند أصحاب العقليات الاستهلاكية إلى طلب المزيد. هذا المزيد يفتح المجال أمام مزيد آخر هو (مزيد المال) . وفي رحلة البحث عن هذا (المزيد) غالبا ما تتولد الكوارث.
إن استشراف المستقبل ينبئ بنتائج كارثية جمة إذا لم تتخلَّ مجتمعاتنا عن العقلية الاستهلاكية, وتعُدْ سريعا إلى (الفلسفة الدُّؤَلية) فلسفة الإنتاج والبعد عن كل ما من شأنه إهدار ثرواتنا ومواردنا دون مردود إيجابي حقيقي. فلابد من العودة السريعة إلى إعداد الفرد المنتج, والبيت المنتج, والقرية المنتجة, والمجتمع المنتج، لابد من إنتاج ما نحتاج إليه. لابد من العودة إلى المشروعات الإنتاجية الصغيرة, بدلا من التباهي بالعقلية الاستهلاكية المقيتة التي ليست سوى واحدة من الحراب التي رشقتها العولمة في قلب الأمة, وهي تعلم أنها الحربة التي ستصيب الأمة في مقتل.
فهل نطلق هذه العقلية قبل فوات الأوان, وقبل أن تغوص رؤوسنا في الماء؟!