فهرس الكتاب

الصفحة 6480 من 19127

والعقلية الاستهلاكية: هي تلك العقلية التي تُقبل على الاستهلاك متجاوزة درجة إشباع الحاجات الطبيعية الضروريّة للعيش إلى إشباع الحاجات الثانوية غير الضرورية والتي يمكن أن يستغني عنها أصحاب الإرادات القوية أو أولئك الذين يدركون أبعاد المخطط وخطورة المؤامرة. ولعل ذلك يعطينا تفسيرًا لأسباب إغراق أسواقنا بجليل منتجات الغرب من: الهامبورجر, والبيتزا, والكولا, والأيس كريم, والفياجرا, وأفلام هوليود, وموسيقى الجاز و (الروك آند رول) ومنتجات الجينز وقبعات الكاوبوي، والمخدرات بكل أصنافها, وأفلام الجنس والعنف والإثارة والرذيلة بكل أنواعها، وكلها مما يغذي العقلية الاستهلاكية، ولعل ذلك أيضا يفسر أسباب إلحاحهم الدءوب على عقول الشعوب في تتابع عجيب.

كان من نتائج هذا الإلحاح أن انتشرت العقلية الاستهلاكية النهمة عند أبناء أمتنا بنسبة كبيرة، فلم يكن الأمر مستغربا حينما طالعتنا الأنباء بأننا ننفق مئات الملايين من الدولارات على الذهب والمجوهرات، ومكالمات الجوال، ورناته الخليعة, والأيس كريم المستورد، والعطور، ومستحضرات التجميل, والبخور, والمكسرات، ولعب الأطفال، والتدخين.

وما هذه النماذج التي ذكرناها -على سيبل المثال لا الحصر- إلا إحدى الدلائل القوية على أن العقلية الاستهلاكية في مجتمعاتنا بدأت تبيض وتفقس.

ودعني أعود بك إلى ما قبل ميلاد العولمة بـ1300سنة تقريبا، وبالتحديد إلى الليلة التي اشترى فيها أبو الأسود الدؤلي -القاضي المشهور, والتابعي المعروف, والشاعر المجيد- حصانا. في تلك الليلة استيقظ أبو الأسود على صوت غريب, ولما تحسس الأمر وسأل قالوا له:

إنه صوت الحصان يقضم شعيره طوال الليل.

فقال أبو الأسود الدؤلي مقولته الحكيمة:

والله لا أترك في مالي من أنام وهو يمحقه ويتلفه، والله لا أترك في مالي إلا ما يزيده وينميه.

وفي الصباح باع الحصان، واشترى بقيمته أرضا للزراعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت