وتحسن الإشارة هنا إلى أن شيخنا النفاخ راجع الكثير مما أخرجه المجمع من كتب التراث المحققة، أذكر من ذلك على سبيل التمثيل كتاب شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف لأبي أحمد العسكري بتحقيق الدكتور السيد محمد يوسف، وكان الأستاذ يُشركني والأخ الدكتور يحيى مير علم بمعارضته بأصوله، ومن ذلك أيضًا كتاب الأزهية في حروف المعاني للهروي بتحقيق الأستاذ عبد المعين الملوحي، وكتاب شرح أرجوزة أبي نواس لابن جني بتحقيق العلامة الأستاذ محمد بهجة الأثري، وكتابا الإتباع والإبدال لأبي الطيب اللغوي بتحقيق الأستاذ عز الدين التنوخي، ورسالة أسباب حدوث الحروف لابن سينا بتحقيقي مع الدكتور يحيى مير علم.
من ذلك كله يتبدّى أنَّ ما أنجزه الرجل كثير كثير، ولكنه موزّع في بطون الكتب، وحواشي التحقيق، وعقول الطلبة، إذ لم يكن - رحمه الله - يردُّ طالب علم، أو سائل حاجة، أو ملتمس عون في أي شأن من شؤون العلم، وما أكثر ما كان يُقصَد، وما أعظم ما كان يرفِد:
يسقط الطير حيث ينتثر الحَ بُّ وتغشى منازلُ الكرماءِ
(( ومن قصد البحر استقلَّ السواقيا ) ).
صفحة مطوية:
ويقودني حديث ما أنجزه من أعمال إلى نشر صفحة مطوية من تاريخه العلمي، تلك هي مرحلة عمله في مركز الدراسات والبحوث العلمية، حيث خطط لمشروع علمي رصين، وأسس بنيانه على قواعد متينة، ثم تخيَّرني مع الأخ الدكتور يحيى مير علم للعمل معه، ذلك المشروع هو إحصاء جذور العربية في خمسة من أمّات المعجمات هي تهذيب الأزهري ومحكم ابن سيده وجمهرة ابن دريد ولسان ابن منظور وقاموس الفيروزآبادي، وقد بدأ الأستاذ المشروع، ثم أتممنا العمل بإشرافه، وكان لتوجيهاته وملاحظاته أثر كبير في استدراك ما فات غيرنا ممن قام بأعمال إحصائية شبيهة.