فهرس الكتاب

الصفحة 6318 من 19127

ولا ريب أن هذا الجحود وذلك الإهمال سيؤدي باللغة إلى الضعف والوهن وسيؤدي بأهلها إلى التخلف عن ركب الحضارة الإنسانية والهوان. ونحن اليوم نجني ثمرات هذا الضعف، إذ تدرس العلوم في معظم جامعاتنا العربية ـ إلا ما رحم ربي ـ بغير العربية، الأمر الذي يجعل بين العرب وبين علوم العصر وحضارته حجاباً حاجزاً وسدًّا منيعاً لا يكاد يتسرَّب من خلاله إلا اليسير اليسير، ومن قنع بهذا اليسير فإن قصارى أمره أن يقتات على فتات الآخرين، ولن تقوم له قائمة في أي مجال من مجالات العلوم، فاللغة روح المجتمع، ووعاء ثقافته وعلومه، وأداته الأولى للتعبير عن فكره وحضارته، ولم يسجل التاريخ قط أن أمة حققت التنمية والتقدم الحضاري بلغة غيرها من الأمم، ولنا في التجربة العربية الإسلامية القديمة واليابانية الحديثة خير دليل على ذلك. فالعرب المسلمون ما بنوا حضارتهم إلا بعد أن نقلوا ما خلفته الحضارات البائدة من علوم إلى العربية، ففهموا تلك العلوم بفكرهم وتمثلوها بلغتهم ووعوها بواعيتهم ليؤسسوا عليها صرح خير حضارة أخرجت للناس. واليابانيون اليوم كذلك فعلوا فهم يتلقّون علومهم باليابانية وما يكاد كتاب علمي يخرج في الغرب إلا ويترجم إلى اليابانية قبل أن يبلغ انتشاره في لغته مداه.

والحق أن أمر إهمال اللغة وضعفها لا يتوقف عند انحلالها وتخلفها وإنما يتعدّى ذلك إلى ضعْف أهلها وتخلفهم، ومن ثم اضمحلال أمرهم وهوانهم، ورحم الله أديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي إذ يقول:"ما ذلَّت لغة شعب إلا ذلَّ، ولا انحطَّت إلا كان أمره إلى ذهاب وإدبار".

صرخة في واد:

ولعل خير ما أختتم به القول هنا تلك الصرخة المدوية التي نادى بها شاعر النيل حافظ إبراهيم على لسان العربية يستصرخ أهلها ويستغيث بهم:

رجعتُ لنفسي فاتَّهمتُ حصاتي وناديتُ قومي فاحتَسبتُ حياتي

رموني بعقمٍ في الشبابِ وليتَني عقمتُ فلم أجزعْ لقولِ عُداتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت