فهرس الكتاب

الصفحة 6315 من 19127

وتمرُّ الأيام وتتعاقب السنون ومكانة العربية أبداً في نماء وصعود. فعبد الملك بن مروان أشهر خلفاء بني أمية يخشى اللحن ويتجنَّبُه، وفي ذلك يقول:"شيبني ارتقاء المنابر واتقاء اللحن"والحجاج يتوخّى ألا يُسمع منه لحن في كلام أبداً فهو أفصح الناس في زمانه، وعندما يبلغه أن ابن يَعْمَر وقع على لحن له في كتاب الله عزّ وجلّ يعالج الأمر بطريقته الحجاجيّة! فينفيه من بغداد ويلحقه بخراسان قائلاً:"لا جَرَم، لا تَسمَعُ لي لحناً أبداً".

وهكذا بات التمكن في اللغة وامتلاك ناصية البيان وفصاحة اللسان قيمةً مقدسة، ومكرمةً متوارثة، وفضيلةً يتداعى إليها الناس، فينشِّئ الوالد ابنه عليها، وتدعو القبيلة أبناءها إليها، بل تفخر بمن اشتهر بها أو عُرف بالتمكن منها، ويتغنّى الشعراء بمن حازها، وينحُون باللائمة على افتقدها، ويعدُّون ذلك عيباً فيه، وفي ذلك يقول قائلهم:

كفى بالمرءِ عيباً أن تراهُ لَهُ وجهٌ وليسَ لهُ لسانُ

وما حُسْنُ الرجالِ لهمِ بزَيْنٍ إذا لم يُسعِدِ الحُسْنَ البيانُ

بل وصل الأمر بهم إلى حدِّ الاستعاذة من فقدها:

أعذني ربِّ من حَصَرٍ وعِيٍّ ومن نفسٍ أُعالجُها علاجا

وفاقد الفصاحة والبيان يفقد أهم مقومات الحياة عند العرب وهي المروءة، يقول يونس بن حبيب:"ليس لعَيِيٍّ مُروءة، ولا منقوص البيان بهاء، ولو بلغ ما فوخُهُ أعنان السماء".

العربية اليوم:

ثم أتى على الناس زمان تَنكَّروا فيه للعربية بعد طول تعهّد وعناية، وهجروها بعد طول وصالٍ ورعاية، وزهدوا فيها وعزفوا عنها بعد طول تقدير وتقديس، بل وصل الأمر ببعضهم إلى حدود المقت والقِلى، والبغض والمحاربة بعد طولِ الكَلَفِ والحب، والعشق والهيام!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت