فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 19127

فأعمال النفاخ بلغت الغاية دقة وإتقانًا، وفصاحة وبيانًا، بدءًا من دراسته لابن الدمينة وتحقيقه ديوانه، ومرورًا بصنعه فهارس شواهد سيبويه، واختياراته في الأدب الجاهلي، وانتهاءً بتحقيقه قوافي الأخفش. دع عنك ما حبَّره من مقالات غدت نموذجًا فريدًا ومثالًا يحتذى في البحث العلمي، والتحقيق المستقصي، والنقد المحكم، والاطلاع الواسع [7] .

ومن اطَّلع على مكتبة الشيخ رأى عجبًا فيما سطّره على هوامش كتبه من استدراكات وتحقيقات ونقدات لم يكد يخلو منها كتاب قرأ فيه، أو اطّلع عليه، أو عرض له. وكان - رحمه الله - كثيرًا ما يقول لنا: إنه ما يكاد يفتح كتابًا حتى تقع عينه على مواطن الخطأ والتصحيف والتحريف فيه، وكأنه موكّلٌ بعثرات المحققين والناشرين، والمؤلفين والباحثين، والسوأة السوآء لمن يقرأ الشيخ عمله على سبيل التتبع والنقد والتعقب والتقويم، إنك عند ذلك لن تجد بياضًا في الكتاب، لا في الهامش ولا في الأعلى ولا في الأسفل، فخط الشيخ يُحدِقُ بالكتاب من كلِّ جانب، بل هو يخالط السطور والأحرف ويدخل فيما بينها معلقًا ومدقّقًا', ومخرجًا ومحيلًا.. ومقومًا ومعقبًا ومُدلّلًا ومستشهدًا. وإذا رأيت ثَمَّ رأيتَ علمًا غزيرًا وفهمًا عظيمًا.

وقد يُحوجه الأمر إلى إضافة أوراق يودعها الكتاب الذي يتعقبه ليستكمل مسألة يحققها، أو تخريجًا يتتبَّعُهُ، أو إحالة يستوفيها. ولهذا ما كان يبقي على حجم الكتاب كما أخرجته المطبعة لا يقصُّ منه جانبًا، ولا ينقص منه هامشًا. وإن أنس لا أنسَ أسفه وحزنه على كتاب تطوَّع أحد أصحابنا بتجليده، فأعمل المجلَّد مقصَّه فيه، فجاء على غير ما يحبُّ الشيخ ويرضى. وإن تعجب فعجب أمر القصاصات التي يجعلها الأستاذ بين صفحات الكتاب ليستدل على مواطن فيه، إذ لا يكاد يخلو منها سفر من أسفار المكتبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت