وهنا مال أكثر وذلٌّ أكثر.. أدَّخر اليسير ولكني أدفع الكثير.. أدفعه غربة ودموعاً وشوقاً، أدفعه حنيناً إلى الأولاد والزوج والأهل..
هنا أتحمل الإهانات.. إهانات رب عمل جاهل مغرور.. ينظر إلى ما آخذ ولا ينظر إلى ما أعطي.. كلُّ ما تقدِّمه يحسبونه أقل من القليل الذي يدفعونه إليك..
تعيش بينهم ربع قرن أو أكثر ولا يشعرون بجميلك.. تظلُّ غريباً.. غصناً لا يجوز أن يثمر.. محفظتك قرب الباب.. يرحِّلونك في أي وقت يشاؤون..
نام بعد مناجاة طويلة مع ربه، وبعد حوار عميق مع نفسه،
كانت همومه ثقيلة كالجبال، وكان اتخاذ القرار أثقل منها، ولكنه - على الرغم من ذلك - نام منشرح الصدر، بعد أن سلَّم مقاليد أموره لكف الرحمن، وسأله أن يلهمه السَّداد.
ما كاد يغط في نومه قليلاً حتى صحا فزعاً..
كان كابوساً مرعباً مخيفاً، جعله ينتفض في فراشه كالملسوع.
رأى فيما يرى النائم أن ربَّ العمل يهينه أمام الجميع إهانات قاسية..
وعندما حاول أن يردَّ عليه رفع يده وصفعه على وجهه بأقصى ما أوتي من قوة.
كان يرتجف في فراشه. شعر أن أثر الصفعة على وجهه..
نهض فزِعاً، أوقد النور، وراح ينظر في المرآة.
كاد يسقط مغشياً عليه. أهذا معقول؟
أحسّ أن خده متورم، رأى آثار كف على وجهه، أصابعُ خمسٌ لكف مرتسمةٌ على خده الأيسر بشكل لا تخطئه العين.
راح يتحسسها. كانت تؤلمه، ولكنها كانت آثار صفعة.
بحلق في المرآة مرة ثانية وثالثة، أجل، إنها صفعة..
كانت الرسالة واضحة، وصلته فصيحة بيِّنة. لم يكمل نومه، راح في الليل يجمع حاجاته استعداداً للرحيل..