-وضعي هنالك أسوأ.. أصبحت المعادلة منذ زمن غير بعيد:
(( ارضَ بالمرِّ هرباً من الأمَرِّ.. ) ).
ولكنها لا تيأس، لا تكفُّ عن استحثاثه على العودة.
ذات يوم جاءته منها رسالة، استدرَّت - كالعادة - الدموعَ من عينيه..
أحسَّ - كما كان يحسُّ في كلِّ مرة - أن مقاومته ستنهار..
حدَّثته عن مرض أحد أولاده، وحدَّثته عن بوادر غير مرضية أصبحت تظهر في سلوك ولد آخر.
وحدثته كذلك عن النظرات التي أصبح يرشقها بها بعض المتصعلكين الذين يرونها (( غنمة شاردة من غير راع.. ) ).
إن أحدهم لم يعد يكفُّ عن ملاحقتها، ثم صار يتصل بها بالهاتف ليلاً ونهاراً..
لم تدرِ من أين حصل على الرقم؟
كلام كثير كثير.. أشعل البركان في عروقه، أوقد جذوة الشهامة والغيرة..
دارت به الدنيا ولفت..
قال لمحمود صديقه الوحيد الودود في هذه الغربة الحجرية وهو يجفِّف الدموع التي تجمعت في مآقيه:
-المرأة صارت شاة يطمع بها أولاد الكلب من الذؤبان، والأولاد كبروا ولم تعد تستطيع السيطرة عليهم..
-هذا يوجب أن تعزم على العودة..
قالها له محمود بحزم:
-ولكنك تعرف الظروف..
وبحزم أشدَّ قال له محمود:
-ستبقى الظروف هكذا وإن امتد بكَ العمر عمراً آخر كما تقول زوجتك..
استخر الله وعُد..
-أعود!..
نطقها بين الرجاء والخوف، بين الفرح والإشفاق من مجهول يخافه..
-استخر الله
-لا إله إلا الله..
-صلِّ قبل أن تنام، واقرأ دعاء الاستخارة، وسيشرح الله صدرك لاتخاذ قرار حكيم..
بعثتْ كلمات محمود في نفسه سكينة روحية. صلَّى تلك الليلة بخشوع ما أحسَّه في حياته.
شعر أنه يتصل بربه مباشرة..
ناجاه بضراعة، ذرف دموعاً كثيرة، سأل الله أن يلهمَه اتخاذ القرار السديد، وأن يفتح أمامه باب المستقبل:
-أنت ياربِّ أعرف بالحال..
هنالك فقر وضيق يد.. هنالك إنفاق كثير ودخل قليل..
أريد أن أعيش حياة كريمة.. حياة لا أحتاج فيها إلى أحد..