واشْهَدُوا على أني أُوثِر الصحراء على كل مظاهر الطبيعة المطبوعة، إلا الأودية والجبال، فإن للجبال السامِقة ذات الصخور الماثلة كالجبابرة، لا تبلغ هامَها النسورُ ولا العُقبان، ولا يسكنها إلا الثلج الأبيض، والأودية العميقة التي لا يبلغ قرارتها إلا الشلال المُتحدّر من أعالي الجبال، ولا يعيش فيها إلا السّواقي الحائرة، التي تهيم على وجهها ذاهلة، لا تصحو إلا على جرجرة أمواج البحر الذي يفتح فاهُ لابْتِلاعِهَا، وإن في الْتِوَاء الوادي حتى يضيع الطريق فيه؛ وفي اختفاء الشِّعْب الضيق خلال الصخور، وفي ضلال الساقية بين الحشائش والحجارة، لَمَعْنًى من معاني المجهول، لا أَلْقاهُ في الصحراء المكشوفة العارية؛ ولكن للصحراء سحرها وجمالها، وإني لأفضلها على السهول والبساتين.