فهرس الكتاب

الصفحة 5985 من 19127

ولم أكن أَعْدِمُ النظَرَ في الآفاق الواسعة، ولا حُرِمْتُ التحديق في المناظِر البعيدة، وإني لأُبْصِر من شباك داري دمشقَ كلَّها، وغوطتها، والقرى المنثورة فيها، لا يغيب عني من ذلك شيءٌ، فأرى فيها نهاية الجمال والرّوَاء؛ ولكني لا أرى فيها طُهْر الصحراء، ولا صفاءها.

الصحراء مبسوطة مكشوفة؛ كالرجل الصريح الشريف، ظاهرُها كباطنها، لا تُخفي سرًّا، ولا تُبطن دون ما تُظهر أمرًا، ليست كالمدن، ولا كالرياض، والله وحده يعلم كم يتوارى خلال تلك الأشجار المُزْهِرة الخضراء، وتحت تلك السقوف المزخرفة، والقباب والسطوح من رذائل ورزايا، وكم يسكنها من عوالم الكَذِب والنّفَاق والحَسَد.

إن الله حَرَمَ الصحراء رواء المدن، وروعة السهول، وفتنة الأنهار؛ ولكنه أعاضها عنه ذلك ما هو أحلى وأسمى، جمال الصدق، وبهاء الصراحة، وسنا الإخلاص، ليس في الصحراء مثل النيل ولا الفرات تأوي إلى ضفافه، وتبصر غروب الشمس في مائه، وتمخر بالزورق عُبابه، وما فيها إلا بِرَك وغدران قليلة الماء، غير دائمة، ولا باقية؛ ولكنها على ذلك أجلّ من النيل، وأجمل من الفُرات لأنها في.. الصحراء!

ليالي الصحراء..

لستُ أستطيع أن أُترجم لك عما لِلَيالي الصحراء من معنى في نفسي؛ لأن لغة الألسنة لا تترجم عن القلوب، ويا ليتني أقدر أن أصِفَ لك تلك الكائنات الخفية التي تعيش في ليالي الصحراء، فتُخاطِب القلوب بما لا تنقُله الأقلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت