وأما أصحاب الأشخاص فاتخذوا أصنامًا على مثال الهياكل السبعة السيارة في السماء؛ فعبدوا تلك النُّصُب بزعم أنها وسائط، وقابلوها بالبخور والأطياب وأنواع اللباس، ودعوها وسألوها قضاء الحاجات، وهؤلاء وأولئك أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الأوثان والكواكب؛ فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب؛ إذ قالوا بإلهيتها. وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان؛ إذ سموها آلهة في مقابل آلهة أولئك السماوية وكلهم قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله تعالى [4] .
وقد ناظر الخليل - عليه السلام - هذين الفريقين، فابتدأ بكسر مذهب أهل الأشخاص كما قال الله - تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83] وتمثلت تلك الحجة في كسر أقوالهم وحججهم حينما قال لهم: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصَّافات: 95-96] .
وكان أبوه أعلم القوم بالأشخاص والأصنام ورعاية الإضافات النجومية؛ ولهذا كانوا يشترون منه أصنامهم، فدعاه إلى الحنيفية، وأكْثَرَ القول عليه، وألزمه بالحجج الباهرة، والبراهين الساطعة [5] ، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74] [6] .
وناداه فقال: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 42-45] .