أيها المؤمنون: طمأنينة العبد في الدنيا، وفوزه في الآخرة، مرهون بحسنِ توحيده، وصحة معتَقَدِه. وليس من خافَ آلهةً عدة كمن خاف ربًّا بيده النفع والضر، ولا من رجا من لا يملك شيئًا كمن رجا من بِيَدِه خزائنُ كل شيء.
وتحقيقُ التوحيد نعمةٌ ربما لا يعرف قدرها من نشأ عليها، وتربى في أحضانها؛ لكنه يدرك فضلها، ويحس نعمتها إذا رأى من فقدها من عباد القبور والأوثان، والعجل والصلبان، ممن خافوا حجرًا لا ينفع ولا يضر، أو تعلَّقوا بعظم صار رميمًا، أو غيرهم ممن يطول عدهم، وتَعِزُّ على الحصر آلهتهم؛ ولكنهم وإن اختلف أربابهم، وتعددت معبوداتهم، اجتمعوا على التأله لغير الله - تعالى - وعبادة غيره ممن {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] .
كان منهم أقوام عظموا الكواكب، واستسقَوْا بالأنواء، واعتقدوا أن ما يجري في الأرض من حوادث وكوارث هو بفعل الأنجم والأفلاك. يقودهم في ضلالهم هذا سحرة ومنجمون، وكهان وعرافون، تراهم شرَّ البرية حالاً، وأحطهم قدرًا ومقامًا.
وما أقوى ارتباطَ السحر بالكهانة، والتنجيم بالعرافة، تشترك في ادعاء علم الغيب، وزعم النفع والضر، وصرف العبادة لغير الله - تعالى - عبر تمتمات وطلاسمَ، وأفعالٍ وشعائر، يرفضها العقل السوي، وتأباها الفطرة النقية؛ فضلاً عن شرع الله المطهَّر.