إنه - رحمه الله تعالى - نشأ وعاش في بيئة فَشَتْ فيها البدعة، وطُمست أنوار السُّنة، وانتشرت الفِرَق الباطنيَّة، والأحزاب الكُفْرِيَّة؛ فحمل لواء السُّنة، وحارب البِدعة، ولم يكن معه معينٌ ولا نصيرٌ سوى الله تعالى؛ حتى أُدخل السجن غير مرة في سبيل دعوته إلى التوحيد الصحيح، والتزام السُّنة.
عاش في بيئةٍ فقهاؤها من متعصِّبة المذاهب، يقدِّمون أقوال الرِّجال على حديث سيد الأنام - عليه الصَّلاة والسَّلام - إلا مَنْ رحم الله - وقليلٌ ما هم - فأخذ يدعو إلى السُّنة، ويُناظر ويُجادل من أجل ذلك؛ حتى اتَّهموه - بسبب دعوته إلى التوحيد الصَّحيح والسُّنة المطهَّرة - بأنه وَهَّابي، وبأنه سلفيٌّ جامدٌ، وأُخرج من بلاد إلى بلادٍ أخرى في سبيل ذلك، وما فتَّ ذلك في عَضُدِه؛ بل بقيَ قوَّالاً بالحقِّ غير هيَّاب حتى وفاته - رحمه الله تعالى.
وما قيل عن حدَّته على الخصوم، وبعض اجتهاداته الخاطئة في الفقه والحديث؛ فذلك مغمورٌ في بحر حسناته - رحمه الله تعالى - ويكفي أنه قضى عمره في مشروعه الأكبر: (تقريب السُّنة بين يَدَي الأمَّة) ، مع دعوته إلى التزام الدَّليل والأَخْذ به، ونَبْذ التَّقليد، ومحاربته للبِدعة وأهلها، ونَبْذه للحزبيَّات والتعصُّبات الجاهلية، ورحم الله الذهبيُّ إذ يقول:"ولو أنَّا كلَّما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له، قمنا عليه وبدَّعناه وهجرناه، لما سَلِمَ معنا لا ابن نَصْرٍ ولا ابن مَنْدَه، ولا مَنْ هو أكبر منهما، والله هو الهادي الخَلْق إلى الحقِّ، وهو أرحم الراحمين؛ فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة" [5] .