وما من شكٍّ في أن العلم إذا ذهب بقَبْض العلماء كَثُرَ الجهل، وإذا كَثُرَ الجهل كَثُرَ الفساد، وقلَّ الصلاح؛ فلا يُؤمر بمعروف، ولا يُنهى عن منكر؛ قال النبيُّ - عليه الصَّلاة والسَّلام: (( لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شريطته من أهل الأرض، فيبقى فيها عَجَاجَة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا ) )؛ أخرجه الإمام أحمد [6] .
وإذا وقع ذلك فلا تَسَلْ عن الفتن والمصائب؛ لأنها من الكثرة بما لا يُتَصَوَّر؛ كما قال النبيُّ - عليه الصَّلاة والسَّلام: (( يوشَك أن يُغرْبَل الناس غَرْبَلَةً، وتبقى حُثالةٌ منَ الناس قد مَرجت عهودهم وأماناتهم، وكانوا هكذا ... ) )، وشبك بين أصابعه. أخرجه أحمد [7] .
وإذا أردتم أن تشاهدوا ما أخبرتْ به هذه الأحاديث واقعًا محسوسًا؛ فانظروا إلى أحوال بلادٍ ذهب علماؤها ومصلحوها، وكَثُرَ مفسدوها، وترأَّسها جُهَّالٌ؛ تجدوا أحوالها مُزرِيَة، وجهل أهلها مركَّبًا؛ تراهم يتعلَّقون بالمخلوق دون الخالق، ويتقرَّبون إلى الله تعالى بما يغضبه، يطوفون بالقبور، ويذبحون لها، ويستغيثون بها، ويدعونها من دون الله تعالى، ويظنُّون ذلك قربةً، ويحسبون أنهم على شيءٍ وهم في الباطل والضَّلال: {ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] ، وإذا وُجِدَ الشِّرك فما هو أقل منه أوْلى أن يوجد من البدع والخرافات، والكبائر والموبقات، والانحرافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها.
وهذا يُبرز أهمية وقيمة العلماء الربَّانيين - علماء الملَّة والدين - ولا يدرك ذلك إلاَّ مَنْ عاش أو رأى الجاهلية الأولى، وهل يدرك قيمة الصحَّة إلاَّ مَنْ مرض أو رأى مريضًا متألِّمًا؟! وهل يعرف معنى الحرية إلاَّ مَنْ حُبس أو شاهد حبيسًا؟!