وكان آخر مانعمت به من صحبة الشيخ- أجزل الله عطاءه- مجلس الأربعاء الذي كان ينعقد في بيته بعد العشاء، ويؤمّه نخبة من أهل العلم، يقدُمهم شيخان جليلان يكتنفان شيخنا الجليل، هما الشيخ عبد الرحمن الشاغوري رحمه الله وأسبغ عليه رضوانه، والعلامة الشيخ أديب الكلاس عافاه الله وأمتع به، ويُستهلُّ المجلس بآيات كريمات من كتاب الله عزوجل يرتلها ابن شيخنا الأصغر الشيخ شهاب الفرفور، ثم يبدأ الدرس وهو يشتمل على كتابين نفيسين الأول شرح الحكم العطائية والثاني نوادر الأصول للحكيم الترمذي، يقرأ الشيخ أديب ويعلّق شيخنا الجليل، ويشارك الشيخ الشاغوري بنثر بعض الفوائد والحكم وإنشاد بعض الأشعار والآثار، ثم إذا ما انتهى الدرس تشنفت الأسماع ببعض الأناشيد التي كان لي شرف المشاركة فيها مع شيخنا الشيخ حسام وأخينا الشيخ شهاب، ولابد بعد ذلك كله من القِِرى، وأيُّ قرى أطيب من قِرى شيخنا، إنه قِرى ابن جعفر الذي قال في حقه الشمّاخ:
إنك يا بن جعفرٍ خير فتىً وخيرهم لطارقٍ إذا أتى
وربَّ نِضوٍ طرق الحيُّ سُرى صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى
إن الحديث جانب من القِرى ولعل خير ما أختم به هذه الكلمة أبيات نظمها شيخنا الشيخ شعيب في وداع شيخه الشيخ صالح عندما ذهب إلى الحج في أواخر الخمسينيات، وهي تحكي لسان حالنا جميعا عندما فارقَنا الشيخ ملتحقاً بالرفيق الأعلى (عام 1986) يقول فيها:
يا راحلين إلى ربا عرفاتِ مستمطرين سحائب الرحماتِ
مهلاً فجلّقُ أصبحت مبهوتةً مذ بنتمُ يا خيرة الساداتِ
والمسجد المحزون بات لفقدكم قيدَ الجوانح واكفَ العبراتِ
وأصابَ قلبي لوعةٌ إذ قيل لي أزفَ الرحيل لموطن الرحماتِ
ما كنت قبل اليوم أعلم أنه شطُّ الحبائب أفدح النكباتِ
مهلاً نودع سيداً ذا منصب كانت محافلنا به نَضِراتِ