ولم يقتصر نفعه وفضله على هؤلاء المقربين، وإنما امتدَّ ليشمل طلبة العلم من كل أصقاع الدنيا، وذلك حين أسس معهد الفتح الإسلامي الذي أصبح مهوى الأفئدة وملاذ طلاب العلم يجدون فيه كل ما يحتاجون إليه من علم وسكن وطعام وتربية، وقد عم نفعه وشاع أمره حتى جاوز عدد جنسيات الدارسين فيه المئة يدرسون فيه جميع العلوم الشرعية من قرآن وتجويد وتفسير وحديث ومصطلح وأصول وتوحيد وفرائض وغيرها، كما يدرسون فيه العلوم العربية بأنواعها كالنحو والصرف والبلاغة والأدب والعروض والخطابة، بل إن مايدرسونه من بعض علوم العربية يفوق مايدرسه المتخصصون في أقسام اللغة العربية، وقد بلوت ذلك بنفسي؛ إذ درَّست بعض علوم العربية في جامعة دمشق وفي معهد الفتح وقسم التخصص فيه، فوجدت البون شاسعا ًفي المادة العلمية المقررة، وفي تلقّي الطلبة لها، ومقدرتهم على فهمها، وحسن استجابتهم لكثير مما يُطرح عليهم فيها. ويكفي أن أذكر أن ثمة كتابين جليلين في علوم العربية يدَّرسان في معهد الفتح، لا يعرفهما كثير من خريجي أقسام اللغة العربية في جامعاتنا، بَلْهَ أن يدرسوهما، وهما دلائل الإعجاز للجرجاني والاقتراح في أصول النحو للسيوطي.
وشيخنا الشيخ صالح- برَّد الله مضجعه- حجة في علوم شتّى وبِدعٌ في فنون مختلفة، أتقن فقه الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان حتى صار مرجعاً فيه، وحَذِق أصول الفقه حتى لكأنه شاطبي عصره، وولج باب التفسير بعد أن استتبَّت له علوم القرآن المختلفة فكان مدرسة تخَّرج بها الكثيرون ونهل منها العلماء والمتذوقون، حدثني غير واحد من تلامذته وأنجاله أنه كان يضع النص القرآني على السبورة ثم يلتفت إلى طلاب الحلقة يناقشهم فيه، فلا يدع فناً من فنون العربية واللغة والنحو والبلاغة والبيان والإعجاز والفقه والأصول إلا خاض فيه، حتى يدع النص وقد أوسعه دراسة وفهماً وتحليلاً وعلماً.