ولما كان العصيان من طبيعة البشر، والخطأ من سجاياهم؛ كان لابد من الاحتساب عليهم، ورد الظالم عن ظلمه، والعاصي عن عصيانه؛ طاعة لله تعالى، وغيرةً على حرماته، وحفظا للأفراد والأمم من كل أسباب الهلاك والعذاب في الدنيا والآخرة.
وبهذا كان الاحتساب على الناس واجبا على آحادهم كل بحسب موقعه وقدرته؛ لأن الأمر يعنيهم واحدا واحدا، ولأن العذاب إن وقع بسبب أهل المعاصي لم يستثن منهم أحدا، وتلك سنة الله الماضية في الأمم الغابرة، وهذا ما قرره النبي عليه الصلاة والسلام لأمته، وأوجبه عليهم، وحذرهم من التهاون به، وأكثر القول فيه:
فتارة يأمرهم بالاحتساب على الناس بأمرهم بالمعروف ونهييهم عن المنكر، بل ويوصيهم بذلك، ويبايعه أصحابه رضي الله عنهم عليه، وتارة أخرى يخبر أن سيد الشهداء من قتل بسبب احتسابه وقوله للحق، كما يخبر عليه الصلاة والسلام أن كلمة الحق عند السلطان الجائر من أعظم الجهاد في سبيل الله تعالى.
بل إنه عليه الصلاة والسلام عد الاحتساب على الناس من الصدقات، وذلك في حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ...وذكر منها: وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة...) رواه مسلم.
وجعل عليه الصلاة والسلام من حق الطريق لمن جلس فيه أن يحتسب على الناس، ولا يسكت إذا رأى المنكرات، وإلا لم يكن مؤديا لحق الطريق، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إياكم والجلوس على الطرقات، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر) رواه البخاري.