هذا الذي أشرنا إليه وجد شيء منه عند أبي عبيدة (ت 209هـ) في كتابة (مجاز القرآن) ؛ فإنه عني في مواطن متعددة منه بدراسة المفردة القرآنية من الجانب اللغوي، دونما اعتبار لسياقها القرآني, فجاءت دراسته في هذه المواطن إلى البحث اللغوي أقرب منها إلى التفسير المفضي إلي الكشف عن مراد الله, ولهذا تعاقبت عليه الاستدراكات، والتي صاحبها تشنيع أحياناً [4] .
لسنا في هذا المقام بصدد تقويم منهج شخص بعينه, وإنما نهدف إلى بيان أن ثمة توجهاً ظهر في وقت مبكر أيضاً لم يُعن كثيراً بالسياق, وربما أهمله, فتسرب الخلل إلى التفسير من هذا الوجه, ولن نعدم أمثلة لهذا من تفسير التابعين ومن بعدهم, لكنها لم تكن تؤلف ظاهرة.
يحسن التنبيه - احترازاً - إلى أن تفسير الصحابة - والذي عُني بتفسير المفردة القرآنية كما أسلفنا - سلم من هذا الخلل؛ بسبب توافر مجموعة من الصفات كان يفتقر إليها من جاء بعدهم, وهي أنهم تتلمذوا على الرسول صلي الله عليه وسلم, وعايشوا الجاهلية, وعاصروا تنزيل القرآن, وكانوا عربا خلصاً, فكانوا أعرف الناس بمقاصد القرآن وسياقه العام, وكان تفسيرهم على أية حال قليلاً.
كان هذا بخلاف طائفة ممن جاء بعدهم؛ فإن هؤلاء - إضافة إلى ما تقدم - كانوا يرغبون في تجميع الأقوال, وكانوا حريصين على تكثير المعاني, فأدى هذا إلى عدم الحرص على تجاوز معاني المفردات إلى ما هو أبعد من ذلك، كتتبع السياق.