فهرس الكتاب

الصفحة 5562 من 19127

على الرغم من أن التفسير في عهد الصحابة الكرام كان ذا طابع تجزيئي يُعني بتفسير المفردة القرآنية, إلا أنه لم يكن يغفل سياقها؛ ولهذا جاء تفسيرهم سليماً خالياً من الخلل بعامة, وإن لم يكن قد ورد عنهم صراحة ما يعد توصيفاً للسياق وتأصيلاً له، عدا إشارات قد تدل علي ما نحن بصدده, منها إنكار عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - علي الخوارج، ونعته لهم بأنهم شرار الخلق، حين عمدوا إلي آيات نزلت في الكفار؛ فجعلوها في المسلمين [18, جـ3, ص 807] , وهذا لا يكون إلا بتجاهل السياق.

يتضمن تفسير الإمام الطبري إشارات أخري تدل علي استحضار السياق في وقت مبكر؛ فإن كثيراً من اختياراته في التفسير، والتي جاءت في ضوء السياق كان موافقا فيها لابن عباس - رضي الله عنهما [3] , وتزداد هذه المسالة وضوحاً بما روي عن تابعي متقدم روى عن ابن عباس وتتلمذ عليه، ذلكم هو مسلم بن يسار البصري، المتوفى سنة 100 هـ، حين قال وهو ينبه إلي ضرورة الاهتمام بالسياق:"إذا حدثت عن الله؛ فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده" [21, جـ1, ص 17] . وهذا طاووس بن كيسان (ت 106 هـ) يستند إلي السياق في تحديد المراد بالنفس في قوله تعالي: {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق: 21] , فيقول:"إنما يراد بهذا الكافر, اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك" [20, جـ26, ص 162] .

لقد بقي هذا المنهج محل عناية المفسرين قديماً وحديثاً - على تفاوت بينهم؛"لأن دلالة السياق متفق عليها في مجاري كلام الله تعالي" [22, جـ6,ص52] , فلم يكن يسع أحداً منهم تجاهلها, وإن حصل شيء من هذا؛ عوتب أصحابه، وصاروا موضع نقد واستدراك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت