فهرس الكتاب

الصفحة 5543 من 19127

وقد احتاط أهل السنة كثيراً للسنة، حيث تلقوها أولاً عن الصحابة حفظاً، ودرسوها وحفظوها حفظاً كاملاً، وحفظاً دقيقاً حرفياً، ونقلوها إلى من بعدهم، ثم ألَّف العلماء على رأس القرن الأول وفي أثناء القرن الثاني ثم كثر ذلك في القرن الثالث، ألَّفوا الكتب، وجمعوا فيها الأحاديث؛ حرصاً على بقائها وحفظها وصيانتها؛ فانتقلت من الصدور إلى الكتب المحفوظة المتداولة المتناقلة التي لا ريب فيها ولا شك، ثم نقَّبوا عن الرجال، وعرفوا ثقاتهم من كذَّابيهم وضعفائهم، ومن هو سيئ الحفظ منهم، حتى حرروا ذلك أتم تحرير، وبيَّنوا من يصلح للرواية، ومن لا يصلح للرواية، ومن يحتج به ومن لا يحتج به، وأوضحوا ما وقع من بعض الناس من أوهام وأغلاط، وسجلوها عليهم، وعرفوا الكذابين والوضاعين، وألَّفوا فيهم، وأوضحوا أسماءهم؛ فأيد الله بهم السنة، وأقام بهم الحجة، وقطع بهم المعذرة، وزال تلبيس الملبِّسين، وانكشف ضلال الضالين، فبقيت السنة بحمد الله جلية واضحة لا شبهة فيها، ولا غبار عليها، وكان الأئمة يعظمون ذلك كثيراً، وإذا رأوا من أحد أي تساهل بالسنة أو إعراض أنكروا عليه. حدَّث ذات يوم عبدالله بن عمر رضي الله عنهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) ) [26] ، فقال بعض أبنائه: والله لنمنعهن - عن اجتهاد منه - ومقصوده أنهن تغيرن، وأنهن قد يتساهلن في الخروج، وليس قصده إنكار السنة، فأقبل عليه عبد الله وسبه سباً سيئاً، وقال: أقول: قال رسول الله، وتقول: والله لنمنعهن.

ورأى عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه بعض أقاربه يخذف، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال: (( إنه لا يصيد صيداً، ولا ينكأ عدواً ) ) [27] . ثم رآه في وقت آخر يخذف، فقال: أقول إن الرسول نهى عن هذا ثم تخذف، لا كلمتك أبداً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت