وأما الثاني: فبسبب البُعْد عن الدين، ولقلة ظاهرة التدين؛ صار المتدين أو الملتزم - كما يسميه بعض الناس - مخلوقاً غريباً يتوقع منه الناس العجائب، وكأنه سقط من كوكب آخر!! ثم هم ينظرون إليه على أنَّه حقَّق ما يُحبُّون لكنَّهم لا يقدرون عليه؛ إنه يذكِّرهم بالقصص التي سمعوها عن السلف، وبما أنهم في شوق لهذه النماذج؛ فإنهم يتوقعونهم في شخص هذا الذي تديَّن، وبما أن هذه النماذج تُطرح على الناس - كما أشرت في مقالة سابقة - بصورة ملائكية؛ فالويل له إن خالف هذه الصورة. وتحليل هذه الأسباب يطول بنا؛ فلنكتفِ بما أشرتُ إليه.
ونسأل بعد ذلك: ما هي النتيجة؟ النتيجة قاسية وشديدة الخطر، وقد تُسبب أزمةً في الحياة، وأزمةً في ظاهرة التدين، وأزمةً في العلاقة بين الناس، وعللاً في التدين لا يعلمها إلا الله.
فالمتدين في نظر الناس يعطي ولا يأخذ، لا وجود لـ (لا) في معجمه، فإن قالها اتُّهِمَ بأنه بخيلٌ مُتمسِّكٌ بالدنيا الفانية، وهو فقيرٌ مسكينٌ، ينظر إلى الدنيا من عَلٍ، فإذا سوَّلت له نفسه يوماً أن يأكل منها بالحلال، قال له المراقبون: ألستَ شيخاً؟!
وقد رأيتُ مَنْ يسألُ أحدَ طلبةِ العلم عن مكان سكنِه، فلما عرف أنه يسكن في منطقة جيدة تعجب وانبهر، وقال:"شيخٌ وتسكن في هذه المنطقة"؟! هكذا؛ لأنَّه شيخ عليه أن يسكُن في كهف، أو في الصحراء - على أحسن تقدير.
وهو حليمٌ دائماً، ليس من حقه أن يغضب أو ينتصر لنفسه، مهما فعلنا به؛ فإن خطر على باله مرةً أن يغضب، بعد أن نكون قد أكلنا لحمه؛ صرخنا به:"ويحك، وثكلتك أمُّك، وفُضَّ فوك، ألم تسمع وصيته - صلى الله عليه وسلم - لذلك الرجل: (( لا تغضب ) )! أيُّ شيخٍ أنت؛ تحفظ الحديث ولا تطبِّقه! لا جَرَمَ أنَّ الدين في تأخُّر! وكلُّ ذلك منكم مَعشر من آمنتم بألسنتكم، ولمَّا يدخل الإيمانُ في قلوبكم! يا هذا: ألستَ شيخاً"؟!