إن العالمَ المعاصرَ قد أسس بنيانه على ما يكون سببًا في الذعر والخوف، واستبعد ما يحقق الأمن والسلام؛ فهو عالمٌ في أكثره - أفرادًا ودولاً وأممًا - مؤسسٌ على الإلحاد والمادية، بعيد عن الإيمان بالله - تعالى - ومعرفة أوامره ونواهيه، والتزام حدوده وحرماته، فأضحى أكثر أفراده يلهثون في الدنيا؛ لأنهم لا يرجون الآخرة، واستباحوا كلَّ محرم من ربا وغش ونهبٍ؛ لتأمين هذه الدنيا التي لا يرجون غيرها، وصار عالمهم بين اثنين لا ثالث لهما؛ إمَّا لصٌّ غني، يتاجر في المحرمات، ويأكل السحت والربا، ويلتهمُ بشركاته العملاقة صغار التجار حتى يفقر الناس، ويسيطر على الأسواق، وإمَّا فقير محترق قد مص الأول دمه، وسحق عظمه، وشرد أسرته، ورمى به على قارعة الطريق، بما حمَّله من أغلال الربا، وكبله باحتكار السلع، ثم يقومُ هذا الطاغية المستكبر بشراء الذمم بأمواله، وصياغة القوانين بجاهه وسلطانه، وتوجيه الإعلام للدعاية إلى أفكاره وآرائه؛ من أجل تنمية ماله، وجمع المزيد والمزيد حتى يضمن تربعه على عرش المال والأعمال!! ثم ماذا بعد ذلك؟ وهل أمِنَ مَن بلغ هذا العرش؟ كلا، إنه لم يحقق الأمن، ولن يأمن ما دام يفقدُ الإيمان.
أوَليسَ يدفعُ طائلَ الأموال للتأمين على حياته وعلى شركاته ومساكنه ومراكبه وكل شؤونه، فلو كان آمنًا ما احتاج إلى التأمين؛ ولكن الله - عزَّ وجلَّ - شاء أن يأتيه الخوفُ من مأمنه، فمأمنه ما جمعه من أموال يضمن بها رفاهيته في الدنيا التي لا يرجو غيرها؛ ولكن هذه الأموال التي جمعها صارت مصدر رعبٍ وخوف، لا يعرف كيف يحافظ عليها من الضياع، ولو ضاع بعضُها لربما ضاعت نفسه معها!!