لقد أفاض الباري - سبحانه - رحمته وسكينته على النفس السويَّة الزكَّية، العَزوف عن الغِلْظَة والفَظَاظة، سواء في القول أم في الفعل، ومِنْ ثمَّ أشاحت عن كل ضدٍّ للرفق واللطف، كالزحام مثلاً، والذي لا تخلو منه المجامع الخاصة والعامة، ذات المورد العَذْب. ولما كان هذا المصطلح أحد لبنات هذا البحث؛ بل هو أساسه وغراسه، لزمَ التلبُّثُ عنده، وتعريفه لغةً واصطلاحًا.
أولاً: الزحام لغة واصطلاحًا:
(أ) الزِّحام لُغة:-
قال ابن فارس [4] : الزاء، والحاء، والميم أصل يدل على انضمام في شدَّة، يقال: زَحَمَهُ يَزْحَمه، وازْدَحَم النَّاس [5] .
وقال صاحب"القاموس": زَحَمه زَحْمًا، وزِحَامًا بالكسر: ضايقه، وازدَحَم القوم وتزاحموا. والزَّحْمُ: المُزدَحِموُن [6]
وفي"اللسان": وَزَحَم القوم بعضهم بَعْضًا، يزحَمُونَهُم زَحْمًا وزِحَامًا: ضايقوهم.
ورجل مِزْحَم: كثير الزِّحام، أو شديده، ومَنكبٌ مِزْحَمٌ منه.
وزُحمٌ من أسماء مكة، شرَّفها الله - تعالى - وحرسها [7] .
ب- واصطلاحًا: لم أقف على تعريف اصطلاحي له، لكن يمكن أن يصاغ له تعريف اصطلاحي مستفاد من التعريف اللغوي ومناسب للمراد هنا.
فيقال:"هو انضمام فئام كثيرة من الناس، واجتماعهم في مكان مُعَيَّن، وزمان معين، لتحقيق غرض معيَّن، مع وجود شدَّة وضيق بَيْنَهم."
ثانيًا: تعريف المسجد الحرام. والمُراد به:
يحَسُنُ بنا قبل الوقوف على المسجد الحرام وحدوده، أن نمهِّد لذلك بنبذة تبلِّغ القارئ مقصوده من المراد بمكة المكرمة - حرسها الله - وآثرت تعريفًا معاصرًا؛ دفعًا للغموض، لِتَغَيُّرِ المعالم والأماكن القديمة، ودفعًا للاختلاف في المقاييس السابقة، والأماكن المندثرة.