إن الريح أعجوبة من الأعاجيب يحتاج البشر إليها ولكنهم يخافون منها، ولو عملوا ما عملوا من وسائلهم ومخترعاتهم لما حركوها وهي ساكنة. وإذا تحركت فلا طاقة لهم بإيقافها أو تخفيفها، أو تحويل مسارها. وغاية ما يفعلون الهرب منها، والاحتماء بالملاجئ عنها، حتى إنهم يُجْلون أهل المدن والقرى التي في طريقها، ثم يتربصون تربص العاجز البائس، الذي انقطعت حيلته، وغلبه يأسه، ينتظرون قدومها، وينظرون إلى آثارها. ثم إذا سكنت دفنوا موتاهم، وداووا جرحاهم، وآووا مشرديهم، وحسبوا خسائرهم، وأصلحوا ما دُمِّر من عمرانهم، وبكوا على ما أصابهم. ولما ضرب إعصار كاترينا جزء من الدولة الكبرى في الأرض، ظهر عجزها فأعلنت حالة الطوارئ، وقبلت المساعدات من الدول الفقيرة المعدمة، فما أضعف البشر! وما أعجزهم! وما أقل حيلتهم أمام الريح! وهي آية واحدة من آيات الله تعالى، وجندي واحد من جنود لا تحصى {وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح:7] {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} [المدَّثر:31] بارك الله لي ولكم...
الخطبة الثانية
الحمدلله رب العالمين؛ دلت مخلوقاته على أنه الرب المعبود، وأن ما سواه عبيد مخلوقون، خلقهم وصرفهم على مقتضى علمه وحكمته {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [يونس:3] نحمده ونشكره ونتوب إليه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.