هذه أمكم هاجر - عليها السلام - الأَمَةُ المؤمنة، التي كانت خادمة في قصور الفراعنة، فأهداها ملكهم لسارة زوج الخليل إبراهيم - عليهما السلام - وأهدتها هي لزوجها، فوقع عليها، فحملت بأبيكم إسماعيل - عليه السلام - فلما وضعته رحل بها إبراهيم - عليه السلام - هي ورضيعها إلى مكة المقفرة من الماء والزرع، الخالية من الأحياء، فلما وضعها وولى يريد الشام تعلقت به، ونادته من ورائه:"يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله، قالت: رضيت بالله" [13] .
وفي رواية قالت:"آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا" [14] . فأكرمها الله - تعالى - على رضاها به أن جعل ابنها إسماعيل - عليه السلام - رسولاً نبيًّا، وأعظم كرامة نالتها في الدنيا أن جعل من نسلها إمام المرسلين، وخاتم النبيين، سيد ولد آدم محمدًا، صلى الله عليه وسلم.
ومن رضي بالله - تعالى - وخالف هواه ومشتهاه، وناله من جرائه عنت ومشقة؛ أرضاه الله تعالى.
إن كثيرًا من الناس يظن أنه نال كمال الرضا أو أكثره، ولكن عند الابتلاء يظهر له كم هو ضعيف في هذا الباب، تراه يُقدِّم رضى المخلوقين الضعفاء على رضى الخالق القاهر؛ رغبةً في جاه أو مال، أو دفعًا لأذًى متوهم، مع أنه يعلم أن النافع الضار هو الله سبحانه. وتلك هي طريقة المنافقين التي عابها الله - تعالى - فقال - سبحانه: {يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62] ، وما أكثر من يقع في ذلك، فيُقدم رضى المخلوقين على رضى الخالق؛ خوفًا من سطوتهم، أو رغبة في ثوابهم، نسأل الله العفو والعافية.
وضعف أهل الإسلام في هذا الزمان، وتسلُّط أهل الكفر والنفاق عليهم، وغربة الدين بين الناس، لا توجب الضعف والوهن، بل يجب على المسلم الثبات واليقين، والرضا بالله - تعالى - إلى أن يلقاه وهو على الحق.