فهذا ولد نبي الله نوح -عليه السلام- الذي عاش برعاية والده النبي الكريم من أولي العزم، الذي قدم له أحسن توجيه وأفضل نصح، بأحسن أسلوب وأفضل طريقة، مع الحرص الشديد، والجهد الكبير، والإقناع القائم على أقوى الأدلة والبينات، ومع ذلك كله أعرض الولد عن جميع ذلك، وآثر اتباع طريق الكفر والضلال، وأبى الركوب مع أبيه والمؤمنين في السفينة، فغرق مع الغارقين.
وقُلْ مثلَ ذلك في عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أبي طالب، الذي حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هدايته، وعمل حثيثاً أن يدفعه إلى الإيمان، فأبى ذلك كله، وهلك وخسر الخسران المبين.
فدور الأنبياء والمصلحين والوالدَين والمربين إنما هو في الدعوة والبيان والنصح والإقناع، والوعظ والتذكير، بالأسلوب الحسن، واللطف والحكمة، كما قال الله تعالى للنبي المصطفى المختار عليه الصلاة والسلام: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ *لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية:21-22] ، وقال: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد:40] .
وليس معنى ذلك أن دور البيت والمدرسة والمؤسسات التربوية تافه وضئيل، كلا ثم كلا، بل هو عظيم وكبير، وتأثيره خطير، جد خطير، ويكفي في بيانه قوله صلى الله عليه وسلم: (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) ) [1] .
ومن هنا فعلى المربين وعلى المؤسسات التربويةِ التخطيطُ والعمل الجاد بإخلاص؛ لتوجيه الأجيال، وتربيتها على الفضائل والإيمان والتقوى والبر والإحسان، وإرشادها -بأفضل الأساليب وأرقاها- لسلوك طريق الاستقامة، والتخلص من كل خلق ذميم وسلوك منحرف، وللتحلي بكل خلق فاضل وسلوك صحيح.