فهرس الكتاب

الصفحة 5146 من 19127

ووصف الله - عزَّ وجلَّ - الخضر بأنه آتاه الرحمة وعلمه العلم، وهذه هي الغاية التي لا يدركها إلا القليل، فَعِلْمٌ بلا رحمة قسوة وجبروت، ورحمة بلا علم جهل وتردي، فجمع الله للخضر الاثنين؛ الرحمة والعلم، ليكون قدوة لموسى عليه السلام، قال له موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف: 66] ، سؤال تلطف لا على وجه الإلزام، وهذا من حسن أدبه، عليه السلام، حيث أنزل نفسه منزلة التلميذ الذي يريد أن يتعلم من أستاذه، فقال الخضر: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [الكهف: 67] ، مع أنه يعرف قوة موسى عليه السلام، وشدة عزيمته في طلبه العلم، ثم قال له: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [الكهف: 68] ، فأنا أعرف أنك سوف تنكر عليَّ ما أنت معذور فيه، لأنك لم تطلع على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطّلعت عليها أنا دونك، فردَّ موسى عليه السلام: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً} [الكهف: 70] سوف أصبر على ما أرى منك من أمور ولن أخالفك في شيء أبدا فعند ذلك شارطه الخضر عليه السلام: {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } الكهف70، إياك أن تسألني عن شيء قبل أن أبدأك أنا به، فاتفقا على ذلك، وانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى بلغا مجمع البحرين، ومر عصفور فنزل حتى شرب من الماء، ثم انطلق فقال الخضر لموسى عليهما السلام: كم ترى هذا العصفور نقص من هذا الماء؟ فأجاب موسى: ما أقل ما نقص!! فقال الخضر: يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما نقص هذا العصفور من هذا الماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت