حتَّى مَن زعم أنَّه اخترع مقياسًا للفصل بين الحق والباطل، فإن التجربة هدمت آراءه، ولنأخذ على ذلك مثلاً:"ديكارت"لقد زَعَمَ أنَّه اخترع منهجًا يفصل بين الخطأ والصواب، وتهاوى منهج ديكارت وهدمت التجربة آراءه في الجانب المادي، وأما آراؤه المعنوية فقد خالفه فيها أساطين الفكر والفلسفة، وبقِيَتْ مسائل ما وراء الطبيعة (الغيب) ظنية واحتدم الخلاف فيها.
إنّ الحضارة المادّيَّة مدينة للعقل البشري... فللعقل في جانب المادة أن يبتكر.. وأن يخترع... وأن يجرب.. فهذا مجالُه، أمَّا مسائِلُ ما وراء الطبيعة (الغيب) فالعقل يَعْجِزُ عن الوُصولِ لليقين فيها.. ومن هُنَا جَعَلَ اللَّهُ الدّينَ هاديًا للعقل في مسائل الأخلاق (الخير والفضيلة) والدين...
موقع الاجتهاد في الدين:
المجتهد يقدح ذهنه في دائرة فهم النص والاستنباط منه والقياس عليه، لكنه لا ينفصل عنه ولا ينقضه ولا يأتي بِضِدّه، كما أنَّ النَّصَّ إذا جاءَ صريحًا في الحكم من قُرْآنٍ أوْ سُنَّةٍ فلا يَجُوزُ مُعَارَضَتُه، وإنَّما الاجتهاد في تكييف واقع المسألة على هذا النص. وهذا هو المستفاد من سؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن:
(( بم تقضي يا معاذ؟ ) )
قال: بكتاب الله.
قال: (( فإن لم تجد؟ ) ).
قال: فبسنة رسول الله.
قال: (( فإن لم تجد؟ ) ).
قال: أجتهد رأيي ولا آلو (أي لا أترك الاجتهاد ولا أُقَصِّر فيه) .
فربت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدر معاذ - والصدر وعاء العلم والفقه - قائلاً:
(( الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي اللهَ ورسولَه ) ).
الإسلام لم يُعْطِ سلطة التغيير في الدين لأحد، ولا للرسول - صلى الله عليه وسلم: