وقد قال الله -تعالى- لحامل أبين الحق وأصرحه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .
لقد كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- سجيح الطبع، لدن الضريبة، سَبْط الخليقة، سهل الشريعة، لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا بذيئاً، فلا غرو أن يجتمع حوله أصحاب النفوس السوية، وكانت تلك الخلال كافية عند ذوي البصائر في الدلالة على صدقه، حتى قال قائلهم:
لَو لَم تَكُن فيهِ آياتٌ مُبَيِّنَةٌ كانَت بَداهَتُهُ تُنبيكَ بِالخَبَرِ
وأقبِحْ بمن يزعم اقتفاء السنة والأثر، وإذا أصخت السمعَ إليه وجدته قذع المنطق، لئيم الضريبة، دنيء الملكة، خسيس الشِنشِنة، يسب هذا ويلعن ذاك، ويبكت الثالث، همه أن يُضحك الناس من مُعارضه، أو أن يسكت مخاصمه، فإذا رأى ذلك ابتسم ابتسامة المنتصر!
ثم يُطربه بعدُ قِيلُ الناس ما حاصله: إنه لمسكت.. طويل اللسان!
.هنيئاً مريئاً أنت بالفحش أحذق!
وقد قال الله عز وجل: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء: 53] ، قال ابن جرير: قل يا محمد لعبادي يقل بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. ثم ساق بسند حسن عن الحسن البصري قوله:"التي هي أحسن، لا يقول له مثل قوله، يقول له: يرحمك الله، يغفر الله لك" [2] ، وقد قيل إنها نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ شتمه رجل من العرب فهمّ به عمر وقيل بل أبو بكر [3] ، وهذا الذي اختاره ابن جرير هو قول الجمهور [4] .