ولا شك بأن جميع البشر تعتريهم بعض العقبات والصعوبات في بعض الأحيان، وكلٌّ يلجأ إلى أمر من الأمور اعتاده في مثل تلك الحال؛ إمَّا سلاحٌ ماديٌّ - إذا ما دعت إليه الضرورة - أو غيره، سواء من المحسوسات عند من صرف عقله عن التفكير بسواها، أو غير المحسوس عند أرباب الشعوذة والدَّجَل، وجميع هذه الأشياء قد تخون صاحبها حال شدة احتياجه إليها، بخلاف المؤمن الذي لم يمنعه ربه من استخدام الأسلحة المادية، وإنما منعه من الركون والاعتماد والذل والسجود لأحدٍ سواه، وأمره أن يكون عزيزاً رفيعَ النفس، مؤمناً بما قضاه الله عليه؛ فلا أحد يملك كشف الضُّرِّ عنه سوى الله، ولا ردَّ ومنعَ الخير عنه إذا ما أراده الله به، كما في وصيته - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنهما - حين قال له: (( يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم بأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضرُّوك بشيء؛ لم يضرُّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعتِ الأقلام، وجفَّتِ الصحف ) ).
ولذا فقد تجلَّت صور تطبيق مفهوم هذا الحديث في أمثال خُبَيْب - رضي الله عنه - حين غدر به الكفار وأسروه، وعرضوه للقتل، وقالوا له: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: لا والله العظيم، ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه.
ومن تأمل كتب التواريخ والسير وجد فيها عجباً من هذا وأمثاله، وفيه تظهر حقيقة تلك القوى التي أودعها الله في تلك النفوس، وسرت تلك القوى في نفوس الأجيال بعدهم، حتى إن أحدهم تأسره الروم، ومعلومٌ بأن أوْلى الناس بالذلِّ هو الأسير، غير أن الإسلام ربَّى في معتنقيه عزَّة النفس، حتى في تلك المواضع، فيقول حين رأى حمامةً تنوح بالقرب منه، وهو في الأسر:
أَقُولُ وَقَدْ نَاحَتْ بِقُرْبِي حَمَامَةٌ أَيَا جَارَتَا هَلْ تَشْعُرِينَ بِحَالِي؟
إلى أن قال: