فكقول ابن خلدون:"واستباحوا حماهم وبلادهم"يجب أن يُفهَم ضمن إطار ما كان المسلمون يتخذونه من خطوات قبل القيام بعملية الجهاد. والتفصيل في هذه الناحية يَخرُج بالطبع عن نطاق هذا البحث، إلا أننا نرى أنه من المفيد أن نشير هنا إلى الأمور الثلاثة التي كان يَعرِضها المسلمون على الجانب الأخر قبل الشروع في الحرب؛ حيث كان ذلك سُنَّةً في الإسلام، ففي الحديث الذي رواه"مسلم"في صحيحه ذُكرت الوصايا التي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُوصِي بها مَن كان يؤمِّرهم على الجيوش، ومِن ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام-: (( وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلاَلٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ .. ) )وذَكَر النبي - عليه الصلاة والسلام - الإسلامَ ثم الجزية ثم الحرب [78] . ولما كان هدفُ المرابطين الأساسُ مِن حركتهم كان ردَّ الناس إلى الإسلام الصحيح، والعمل على نشر الإسلام، كما تبيَّن سابقًا؛ لذا فقد حَرَصوا على تطبيق السُّنَّة في عملية الجهاد، وقد ساروا في ذلك على مذهب الإمام مالك، فالبكري، وهو ممن عاصر قيام الحركة، يقول عن المرابطين:"وهم على السُّنَّة متمسكون بمذهب الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه -. وكان الذي نهج ذلك فيهم ودعا الناس إلى الرباط ودعوة الحق عبدُالله بن ياسين" [79] ويذكر ابن عذارى، في حديثه عن جهاد المرابطين في السنوات الأولى من قيام الحركة، أنه رأى كتابًا قديمًا كان قد بعث به الفقيه عبدالله بن ياسين إلى أهل الجبل الموالي لبلاد"لمتونة"يدعوهم للدخول في الإسلام وشريعة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد كان أولئك القوم مشركين حسب ما ذكره ابن عذارى. [80] ويؤيد ذلك ما ذكره ابن أبي زرع في"الأنيس المطرب"، وهو أحد المصادر التي اعتمد عليها ابن خلدون، من أن ابن ياسين خطب في أتْباعه عند أول خروج لهم