فهرس الكتاب

الصفحة 4815 من 19127

ومظاهر رحمة النبي صلى الله عليه وسلم قد حفلت بها سيرته وامتلأت بها شريعته، فرحم الصغير والكبير، والقريب والبعيد، والمرأة والضعيف، بل شملت رحمته الحيوان والجماد، وجاء بشريعة كلها خير ورحمة للعباد، وما من سبيل يوصل إلى رحمة الله تعالى إلا جلَّاه لأمته، وحضهم على سلوكه، وما من طريق تبعدهم عن رحمة الله تعالى إلا زجرهم عنها، وحذرهم منها؛ رحمة بهم، وشفقة عليهم.

وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته أن اختار لهم من الشريعة أيسرها وأكملها، ومن الأحكام أخفها وأحكمها، ووصفته عائشة رضي الله عنها وهي ألصق الناس به فقالت: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) رواه الشيخان.

وكان عليه الصلاة والسلام يترك العمل وهو يطيقه، ويود العمل به، ما يتركه إلا رحمة بأمته؛ خشية أن يفرض عليهم فلا يطيقه أكثرهم، ومن نظر في سنته عليه الصلاة والسلام تبين له ذلك، وكم من مرة قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بكذا وكذا، أو لولا أن أشق على الناس لأمرتهم بكذا، قالت عائشة رضي الله عنها: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) رواه الشيخان.

وفي قيام رمضان صلى بأصحابه رضي الله عنهم ثلاث ليال فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: (( أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها ) )متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت