إنَّ بَيْن البيان والعِيِّ في الكَلام أن يُعوِّدَ الكاتب نفسَه انتقاءَ الكلمات، وتَلْبِيسَها على المعاني التي تُناسبها حجمًا وشَرَفًا، فكُلُّ ما عليه: أن يُوقِظَ هذه الحاسَّةَ في نَفْسِه، ويتأمَّلَ الكلمة مع المعنى ويقيسها عليه، ثم يتأملها فيما بينها وبين جاراتها مِن الكلام، فعندها يَتَبيَّن له حُسْن موضعها، أو قُبْحه، فإمَّا أنْ يتركها؛ وإمَّا أنْ يَزُفَّ بَدَلاً مِنْهَا كلمة أخرى، فيضعها في مكان الكلمة الأخرى، ويُعيد النَّظَر والتَّأمُّل، فإنْ رأى الجديدةَ أكثَرَ انسجامًا مع أخواتها أبقى عليها، وإلاَّ عَوَّضَهَا بثالثة أو رَدَّ الأُولَى، ويستمرّ في هذه العملية حتى كأنَّهُ صائغ يُرَكِّبُ عِقدًا مِنَ الجَوَاهِر، يرصُّ بعضه إلى بعض، وعليه أن يُطلِقَ لِمَلَكَتِه وذَوْقِهِ العِنان في الحُكْم والاختيار، وأن يتحمَّلَ هذه المُعاناةَ مِن أجْل الكَلِمة.
إنَّ هذه الْمَلَكَة تنمو بالْمِراس، لذا فإنَّه على الكاتبِ ألاَّ يَضْجَرَ مِن إعادة العبارة مرتينِ، وثلاثة، وأكثرَ، حتى يرضى عنها، ويطمئنَّ لِمَكَانِها، عند ذلك سيضع رِجْلَه في طريق البُلَغَاء.
وأُحَذِّركَ أشَدَّ الحَذَر مِن أنْ تُسَمِّمَ مَلَكَتك بالإكثار من قراءة غُثَاء الصُّحُف، فتَلْتَصِق بكَ لُغتُهُمُ الرَّكِيكةُ، وتَذْبُلُ عِبارتُكَ، وينطفئ ضَوْء كَلامِك، وعَلَيْك بالقرآن الكريم، اشْرَبْ مِن بلاغته، وارْتَوِ مِن عبارته، وتأمَّلْ معانِيَهُ، فإنَّه مَعين لا يَنْضَب، واحْفَظ مِن أشْعَار العرب ما استطعتَ، وأدِمِ النظر في كُتُب الفُصَحاء مِنَ الأُدَباء أمثال: الجاحظ، وابن عَبْدِ رَبِّهِ، وأبي علي القَالِي، فلَعَلَّكَ أن تصيبَ عندهم حاجتكَ، وتُهَذِّبَ في كُتُبهم قَرِيحَتَكَ.