لكنِ انْظُر إلى الواقع بتأمُّل، وانظر إلى واقِع المسلمينَ ببصيرة، انْظُر نظرةَ مُصْلِحٍ مُشْفِق، وأبٍ رحيمٍ، وأخٍ رفيقٍ، وأمٍّ رَؤُومٍ، انظر إلى إخوانكَ ممن ضلُّوا الطريق، وتاهوا في مسالكِ الأهواء، وانظر إلى إخوانكَ ممن أجْهَدُوا أنفسهم في البِدَع، وأَرْهَقُوا أبدانهم فيما لم يأذَنْ به الله، وانظر إلى أعداء أُمَّتِنا الإسلامية وهم يُخَطِّطون ويَمْكُرون، وانْظُر إلى المُنافقينَ وهم يُرْجِفُونَ ويَكِيدُونَ، انْظُر إلى كُلِّ هذا، واسأل اللهَ أن يفتحَ عليك، فإنْ أنتَ أرَّقَتْكَ هذه الأحوالُ حتى بلغ منك الْهَمُّ مَبْلَغَه، وأَغَصَّكَ الألم، وطارَ عنكَ النَّوْمُ، وتألَّمْتَ وتَمَلْمَلْتَ، وغَمَّكَ حالُ الإسلام والمسلمين، فاعْلَم أنَّه المَخَاضُ، فسَتُولَد بين جَنْبَيْكَ قضية، وعلى قَدْر ما تألَّمْتَ على قَدْر القضيَّة التي ستحملها.
ستُولَد القضيَّة على قَدْر ما تَحمِلُه مِن هَمٍّ، وستعيش بين جَنْبَيْكَ، تَقْتَاتُ مِن لحمكَ، وتشربُ مِن عُرُوقِكَ، حتَّى تصير هي أنت، وحتَّى تنام معك، وتستيقظ معكَ، وحتى تكون أَنِيستَكَ في الوَحْدة، ورفيقتَكَ في السَّفَر، لن تكونَ وحيدًا بعد ذلك اليوم، وسَتَكْبُرُ حتى تجتازَكَ، وتصبِحَ أنت جزءًا منها، عندها ستكون كاتبًا، وعندها سيكون كلامُكَ نَقْشًا في لَوْح التاريخ.
إنَّ العظماء لم يُعَظَّمُوا إلاَّ على قَدْر الْهَمِّ الذي كانوا يحملونه، فإنْ حملتَ هَمَّ نفسِكَ وأُسْرتكَ فأنتَ رجلٌ في أُمَّة، وإن حملتَ هَمَّ أُمَّتكَ ودِينكَ فأنتَ أُمَّة في رجل.
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ
الخطوة الثالثة: احتَرِمِ الكلمة: