أمَّا الكثير؛ فإنك تراهم لا راحة لهم في أبدانهم ولا طمأنينة لهم في أنفسهم، إذا انخفضت الأسعار تمزَّقت قلوبهم جزعًا، وإن ارتفعت الأسعار تقطَّعت قلوبهم طمعًا، فهم على نارَيْن، لا يهدأ لهم بالٌ ولا يقرُّ لهم قرار، يعيشون مفتونين في حياتهم، يصيبهم الضَّنْك في هذا المال، وتصيبهم الشدَّة وبين أيديهم الأموال، يُسارعون في أعمال الدُّنيا، ولكنَّك تراهم يقدِّمون أكل أموال النَّاس على طاعة الله - تبارك وتعالى.
هؤلاء لهم موقِفٌ بين يَدَيِ الله - عزَّ وجلَّ - ويكفي أن يكون السُّؤال بين يَدَيْ علاَّم الغيوب، الذي لا تخفى عليه خافيةٌ، يعلم السرَّ وأخفى، وهذا تفكيرهم ومعنى الحياة الطيِّبة عندهم.
ثم صِنفٌ آخَر:
يرون أنَّ الحياة الطيِّبة هي في الحصول على المناصب والجاه، فيسعون إلى ذلك، ويسلكون كلَّ السُّبُل التي توصلهم إلى هذا المقصود وإلى هذه الغاية، يبذلون كلَّ غالٍ ورخيصٍ في أن يحصلوا على مقصودهم.
يبذلون ويقصدون إلى هذه المناصب فلا يُعانون عليها، ويتعلَّقون بها فيُوكَلون إليها، يحبُّون مَنْ مالأهم ومَنْ ناصرهم ومَنْ مَلَقَهُم ونَافَقَ، ويبغضون ويكرهون مَنْ نَصَحَ لهم وأخلص.
هذا حال كثيرٍ منهم، ويرون مع ذلك أنَّ هذه هي الحياة الطيِّبة! هي الحياة الطيِّبة ولو تنازلوا عن شيءٍ من دينهم، ولو أَشْغَلَهم ذلك عن طاعة ربِّهم، ولو أطاعوا المخلوق في معصية الخالق، وقليلٌ من الناس مَنْ يأخذ ذلك طاعةً لله، لا يسأله من نفسه، وإذا وُكِلَ إليه وحُمِّله فإنه يستعين الله عليه ويطيع الله فيه، لأنه يذكر قول رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأبي ذرٍّ - رضيَ الله عنه: (( يا أبا ذَرِّ، إنَّها أمانةٌ، وإنَّها يوم القيامة خِزْيٌ وندامةٌ، إلاَّ مَنْ أخذها بحقِّها، وأدى الذي عليه فيها ) ). أو كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم.
ثم صِنفٌ ثالثٌ من النَّاس: