وكذلك الحال من الطرف المسيحي؛ الذي أكَّد ضرورة التآلف وعدم التفرقة، على اعتبار أن البشر هم أبناء الله، وأن كل من يسعى للتفرقة يتغرب عن الله؛ لأنه يتغرب عن أخيه.
فبات العيش المشترك هدفاً رئيساً من أهداف الحوار - عند دعاته - وداعياً من دواعيه، واعتبر الحوار من أنجح الوسائل لتحقيقه.
وبغضِّ النظر عن عموم الأفكار السابقة، والحاجة إلى الوقوف عند بعضها؛ فلا شك أن بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل بين المسلمين والمسيحيين، وعدم جرح وسبّ كل طرف لمقدسات الآخر ومعتقداته، وحقن دماء أبناء المجتمع الإسلامي من الفئات كافة، هو هدفٌ سامٍ، وغايةٌ جليلةٌ لهذا الحوار؛ فالقرآن الكريم يبين أنه لا حرج على المسلم أن يحيا في ظل التعايش السلمي بينه وبين أي إنسان مخالف له في دينه ومعتقده، ما لم يُظَاهِر الطرف الآخر على المسلم بالعداوة والتحريض، أو الإساءة والخيانة: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8] ، كما يبدو هذا المبدأ واضحاً في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع وفد نصارى نجران، فحين وصل الحوار إلى طريق مسدود في قبولهم الإسلام، عند ذلك تحوَّل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى مبدأ التعايش السلمي، ووضع مبادئ العيش المشترك، من خلال المعاهدات.
بل لعل هذا يدل على جواز تجاوز الهدف الدَّعَوِيِّ في محاولة إقناع الطرف الآخر لدخول الإسلام - الذي هو هدفٌ واضحٌ في الأصول الشرعية للحوار - إلى أهداف أخرى معتبرة، مثل التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين في بلدٍ ما؛ ليكون الحوار أحد الوسائل أو الخيارات الإستراتيجية في حقن دماء المسلمين والمسيحيين؟