وحتى يرتاح المدين وتطمئن نفسه إلى وجود قلوب رحيمة ترق له، وتهتم به، ولا تقسو عليه، وتراعي حالته التي حلّت به، من عسر أو فقر أو كارثة، فقد أمر الله صاحب المال بمراعاة الموقف، وطمأنة إخوانه المسلمين، وعدم التضييق عليهم في المطالبة فقال تعالى موجهًا لهذا الأمر: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرةٌ إِلَى مَيْسَرةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [37] .
ويقول صلى الله عليه وسلم في حكاية الرجل الذي كان له ديون على الناس، فكان يرسل غلمانه فيقول لهم: إذا رأيتم المعسر فتجاوزوا عنه لعله الله أن يتجاوز عنّا، فلقي الله وقد تجاوز عنه [لفظه في تفسير ابن كثير جـ1 ص232] .
وبعكس ذلك، فقد اعتبر صلى الله عليه وسلم: مطل الغني ظلم. لأنه قادر على الوفاء ويمنع الناس حقوقهم الواجبة.
وآيات الربا التي نزلت في تحريمه في سورة البقرة، وتأكيدات رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع، وفي توضيحاته لأنواع الرباء، كل هذا من أجل تكوين مجتمع صالح، ومتماسك، لا يتسلط فيه قوي على ضعيف، أو يستغله من أجل ضعفه، ولا يكنز صاحب مال ماله لمنفعته الخاصة، أو لتحكم في قوت خلق الله.
بل لابد أن يعمل فيه ما يسعد المجتمع، ويحقق الرخاء والنماء فيه، وليفتح مجالات العمل لفئات عديدة من البشر، هم في حاجة إليه ليقتاتوا بعمل شريف، وجهد حلال.
وحتى لا يترك أمر البيع أو الشراء بدون قيود، أو التدابير بدون محافظة، نظم القرآن الكريم كما في آية الدين في آخر سورة البقرة [38] ، ما يجعل صاحب المال متوثقًا على ماله، مطمئنًا على حقه بأنه سوف يأتي إليه عند حلول أجله، فيحصل بذلك النفع للأخذ والمعطى. واطمئنان كل منهما على الذي له والذي عليه.
وهذا ما يتحقق أمنًا اقتصاديًا، لأنهم يقولون رأس المال جبان، لا يتحرك إلا في الأمن والطمأنينة.