إذن فالحكمُ هنا ليس عقليًا محضًا، وإنما يسير حسب الواقع وما تعوده الإنسان منه، فلو حدث وطار شخصٌ كما ذكرنا فالعقلُ السليم لا يعد ذلك مستحيلا؛ لأنه ممكنٌ تصوره في الذهن والخيال، وهذا ما عبرنا عنه بالإمكان الذهني أو العقلي الذي هو تمديد وتمطيط للإمكان الواقعي، ويفتح المجال للتوسع العلمي والإبداع الفكري وإنتاج الروايات والأفلام الخيالية واكتشاف الأفلاك والأجرام السماوية...
باختصار شديد، لأن هذه المسألة معرفية محضة (إبستمولوجية) ، نربط الموضوع بمسألة التشريع والعقل، وذلك للتأكيد على أنه لا تناقض بين العنصرين عند التحقيق والتدقيق.
ولكن ينبغي أن يعلم بأن أحكام الشريعة لها صورتان من ناحية إمكان النظر العقلي وهما: الحكم التوفيقي بإدراك الحكمة من بعض قضايا التشريع وأسراره بواسطة العقل المجرد، والحكم التوقيفي الذي يتوقف العقلُ عن الخوض فيه حتى يأتي المشرع ليبينه: إما تخصيصًا أو تقييدًا أو نسخًا أو رخصة أو عزيمة وما إلى ذلك، مما هو مذكور في أصول الفقه وعلوم التفسير...
2)وبعد ما سبق من نموذج ملخص لبعض الاعتراضات، من بعض من لا يستحيون من جهلهم، ينبغي التعريف أو التمييز بين الطهارة الشرعية المتعلقة بأحكام المني والودي والحيض وما إلى ذلك، وكذلك أنواع المياه لإزالة النجاسات من البدن والثوب والمكان أو ما يعرف بطهارة الحدث والخبث، وبين النظافة العامة، هذا إذا أضفنا موضوع التيمم في باب الطهارة وموازنة حكمه بحكم الغسل الذي يكون بالماء.
ونقف عند التيمم ونتساءل: هل للعقل المادي فيه مدخل لتبيين حكمته، وهل هو يدخل في باب النظافة العامة بمجرد لمسة أو ضربة باليد؟
فكيف سيرد العقلاني القزم على حكمه لما يرد في صحيح البخاري حديث عن التيمم يبين حكمه ووصفه مرويًا عن أبي هريرة أو غيره من الصحابة الكرام والأطهار؟