فهرس الكتاب

الصفحة 4673 من 19127

ولهذا فحينما يطعن في رواية الصحابي الجليل أبي هريرة بصفة خاصة، من دعوى أنه لم يصاحب النبي سوى واحد وعشرين شهرًا، فذلك يكون هو لب السخافة والغباء والتعبير عن الانحطاط الفكري؛ حينما تقاس النتائجُ بطول المدة وبالكم من العمل وليس الكيف! لأن هؤلاء يحسبون الرواية بالزمن، إذ البليدُ لا يوازن بالذكي، وزمن الصحابي لا يقارن بزمن الغبي، وإلا فلم يعد للمقدرات والاستعدادات أي معنى في علم النفس ومقاييس الذكاء!.

بحيث إن حفظ خمسين ألف حديث لا يتطلب بالضرورة قرنًا حتى يتم المراد، كما أنها بالنسبة للصحابي لم تكن تمثل جهدًا فكريا من تأليف وتمحيص وتحقيق، وإنما هي حفظ واستظهار لا غير؛ وهذا من أيسر الأعمال الذهنية، وخاصة لدى ذوي المواهب والصفاء الذهني في الحفظ.

فأبو هريرة قد كانت له حافظة لاقطة لا تنسى ما تراه أو تسمعه، وهذه كانت من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- في حقه وفضله عليه، وذلك حينما طلب منه بسط ردائه، لترسيخ الحفظ والاستظهار لديه.

إضافة إلى هذا فقد كان من أهل الصُّفَّة، وهؤلاء قد كانوا متفرغين كليًا للعلم والعبادة، ومن ثم كانوا من أبرز الرواة بين الصحابة الآخرين الكبار، وكذلك قد شهد رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة بسبقه وحرصه على رواية الحديث عنه، فكان يُمده بكل ما هو ضروري في الدين ليبلغه لمن لم يشهده عنده؛ كما أورد البخاري في صحيحه"باب الحرص على الحديث"عن أبي هريرة أنه قال: قلت يا رسول الله من أسعدُ الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه" [صحيح البخاري - كتاب العلم] ."

فصفة الحرص طبيعيًا قد تؤدي دائما إلى كثرة الجمع والتخزين، شأن الحريص على جمع المال والاجتهاد في اكتشاف طرقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت