ليس من شك في أنَّ الإنسان المسلم إذا لم يتلقَّ العلم من منابعه الأصيلة، وروافده الصحيحة، أخذاً من الكتاب والسنة على هدي السلف الصالح، فإنَّه سيخبط خبط عشواء ويتلقَّى العلم من جهات لا يعلم توجُّهاتها العقدية، ولا أصولها الشرعية، ويقع في عدة مزالق يتباين حجم خطئها وضلالها، ولهذا كان علماؤنا السابقون يوصون بتلقي العلم ممَّن صدقوا الله في تعلمهم وتعليمهم، ولاحت قوة حججهم أمام خصومهم، وفي المقابل يحذِّرون طلابهم من أهل الزيغ والهوى، لئلا يقعوا فيما وقع فيه أولئك المبتدعة، فكان الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي اللَّه عنه - يقول: (لا يزال النَّاس بخير ما أخذوا العلم عن الأكابر، وعن أمنائهم وعلمائهم؛ فإذا أخذوا من صغارهم وشرارهم هلكوا. قال ابن المبارك - رحمه اللَّه - في تفسير(( الأصاغر ) ): (يعني أهل البدع) (أخرجه ابن المبارك في الزهد: ص815، و عبدالرزاق في المصنَّف(20446و20483، بسند صحيح) .
وهذا الإمام عبدالله بن المبارك - رحمه الله - يوصي طالب العلم قائلاً له:
أيها الطَّالب علماً ائت حمَّادَ بن زَيد
فاكتسب علماً وحِلماً ثمَّ قيِّده بقَيد
ودَعِ الفتنةَ من آثارِ عمرو بن عُبَيد
(ديوان ابن المبارك، للدكتور مجاهد مصطفى: ص45، وانظر البداية والنهاية:10/79) .
وممَّن نبَّه على ذلك الإمام الغزالي - رحمه الله - حيث ألمح للمسلم الذي يريد أن يكون ذا عقليَّة واعية بأنَّه لا بد أن يعمل على تحصين عقله من الانحرافات الفكرية، وخصوصاً إن كان في منطقة يكثر بها أهل البدع والهوى، فقال: (فإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع فينبغي أن يُصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق؛ فإنه لو أُلقي إليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه وربما عسر ذلك، كما أنه لو كان هذا المسلم تاجراً وقد شاع في البلد معاملة الربا وجب عليه تعلم الحذر من الربا) إحياء علوم الدين للغزالي: (1/29)