ومن نظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، واطلع على أوامره ونواهيه علم أنه إنما جاء بالاحتساب على الناس، وغرض احتسابه عليهم إصلاح أحوال معاشهم ومعادهم؛ وذلك بإصلاح عقائدهم وتطهيرها من أدران الشرك إلى التوحيد، وإصلاح عباداتهم بتنقيتها من أوضار البدع والخرافات، وإصلاح معاملاتهم وأخلاقهم بتخليصها من كل ما يوجب الظلم والفساد. وذلك لا يكون إلا بأمر ونهي وتدخل فيما يسمى بالخصوصيات، وذلك هو مقتضى كلمة التوحيد، ولازم شهادة الحق بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولا يكون الله تعالى معبودا للناس لا شريك له حتى يخضعوا لأمره ونهيه، ولا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام متبوعا إلا بطاعته في أمره ونهيه.
ورسولنا عليه الصلاة والسلام لم يجعل الاحتساب على الناس من انتهاك الخصوصيات، أو من التدخل فيما لا يعني، بل جعله من الدين ومن التدخل فيما يعني، وأخبرنا بما أُنزل عليه من الكتاب أن الاحتساب على الناس، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، هو من الخير الذي فضلت به هذه الأمة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله} [آل عمران:110] .
وأمرنا عليه الصلاة والسلام بذلك فقال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وعن قيس بن أبي حازم رحمه الله تعالى قال: قرأ أبو بكر الصديق هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105] قال: إن الناس يضعون هذه الآية على غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه - أو قال: المنكر فلم يغيروه - عمهم الله بعقابه) رواه أحمد وصححه ابن حبان.