والحداثة مفهوم متعدد المعاني والصور، يمثل رؤية جديدة للعالم مرتبطة بمنهجية عقلية مرهونة بزمانها ومكانها، فهي رفض الجمود والانغلاق والقبول بمبادئ الانفتاح والتفاعل مع الثقافات الإنسانية، وهي تعني إطلاق الحرية وفسح المجال لكل التعبيرات الاجتماعية للقيام بدورها.. يتمايز مفهوماً الحداثة Modernity عن مفهوم التحديث Modernization في اللغتين الفرنسية والإنجليزية. فالحداثة هي موقف عقلي تجاه مسألة المعرفة وإزاء المناهج التي يستخدمها العقل في التوصل إلى معرفة ملموسة. أما التحديث Modernization فهو عملية استجلاب التقنية.
والمخترعات الحديثة حيث توظف هذه التقنيات في الحياة الاجتماعية دون إحداث أي تغيير عقلي أو ذهني للإنسان من الكون والعالم. فأنصار التيارات السلفية المتطرفة يوجدون في المعاهد العلمية ويتعاملون مع التقنية الحديثة دون أن يأخذوا بالروح العلمية أو الفلسفية لهذه التقانة. ومن أجل أن تفهم جوهر الحداثة يتوجب علينا أن ندركها كطاقة مجددة متحركة منطلقة تتمثل الماضي والحاضر وتعيد إنتاجهما بروح مستقبلية جديدة.
التطورات التي تسجل في مستويات الإنتاج والاستهلاك وفي البنية التحتية تشكل صورة لعملية تحديث وشتان ما بين الحداثة والتحديث، فالتحديث يعنى مظاهر الحداثة وقشورها بينما تعنى الحداثة في الأصل اللحظة الواعية التي تتمثل في انتظام العقلانية والفردية والعلمانية والقيم الحرة في اندفاعة حضارية قادرة على إحداث تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والبنائية للمجتمع. فالحداثة هي حالة تعتمل في بوتقة الروح الاجتماعية وتتجلى في مظاهر الجسد الاجتماعي. أما التحديث فقد يكون حالة من حالات الاستيراد المنظم لشكليات الحداثة مثل: استيراد السيارات والطائرات وأنظمة التعليم وبدع الاستهلاك الاجتماعي..
مفهوم ما بعد الحداثة: