والتقوى في حقيقتها العمل بطاعة الله إيماناً واحتساباً، أمراً ونهياً. يقول طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى. قال: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
ويعلق على ذلك ابن القيم رحمه الله فيقول:"وهذا من أجمع المعاني، فإن كل عمل لابد له من مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن الإيمان؛ فيكون الباعث عليه الإيمان المحض، لا العادة والهوى، ولا طلب المحمدة والجاه، ولا غير ذلك؛ بل لابد أن يكون مبدؤه محض الإيمان، وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته، وهو الاحتساب" [42] .
ولعل داود لحظ هذا المعنى حين قال في وصيته:"اصحب أهل التقوى، فإنهم أيسر أهل الدنيا عليك مؤونة، وأكثرهم لك معونة" [43] .
ويكفي لطالب العلم والدعوة برهاناً ودلالة وإيجازاً هذه الآية العظيمة التي جمعت بين البر والتقوى، وعرَّفت أحدهما بالآخر، ودلت على المفردات والأصول لهاتين الكلمتين العظيمتين، إنها قوله تعالى: {لَّيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّين وَءَاتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى والْيَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} [44] .