هذا تقسيم من الماوردي رحمه الله أشبه بالحصر العقلي. وهو تقسيم جميل لتصوير النفوس وأحوال الناس والشخوص. ولكن واقع الناس، وما قضت به سنة الله في هذه الحياة، من بناء الدنيا واستقامة المعاش على المشاركة والمعاونة واتخاذ الناس بعضهم بعضاً سخرياً، كما سبق في مقدمة البحث يشوش على ما قرره الماوردي، فلا يتصور في الوقع من أحد - فيما نحن بصدده - أن يحقق مبتغاه إلا بتعاضد أطراف من الناس. هذا جانب. ومن جانب آخر، فإن البذل من طرف واحد - على نحو ما ذكر الماوردي - لا يسمى إلا إحساناً ومنة ونعمة، وهذا ليس من باب التعاون في شيء إلا من حيث الأثر والفائدة للمُحسَن إليه والمُنْعَم عليه.
كما أن من يستعين ولا يعين قد رضي لنفسه أن يكون عالة على غيره، وجعل حياته مبنية على السؤال والطلب والتطلع إلى ما في أيدي الناس.
وأما من لا يعين ولا يستعين فتصور وجوده في بني الإنسان بعيد، على نحو ما سبق في المقدمة من تقرير أن التعاون ضرورة إنسانية. فالإنسان لا يستغني عن أخيه الإنسان، كما قضى الله عز وجل في سننه.
ميادين التعاون:
الأصل في هذا قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ} . وعليه فسوف يكون الحديث في هذه الفقرة عن مفهومي البر والتقوى، ثم استعراض تفصيلي لجملة من مجالات التعاون حسب ما تعنيه شريعة الإسلام من شمول وكمال.
وينبغي أن يفهم أن هذا التفصيل لا يخرجنا عن المقصود في الحديث عن الدعوة والدعاة، فكل هذه الميادين مفتوحة فسيحة أمام الدعاة؛ بل هم أحق بها وأهلها، كما سوف يتبين إن شاء الله.
البر والتقوى:
البر والتقوى كلمتان جامعتان تجمعان خصال الخير بالكلية، بل تفسر إحداهما الأخرى.
فالبر هو الكمال المطلوب من الشيء والمنافع التي فيه والخير الذي يتضمنه [41] .