وبرغم أن الإسلام قدِ احترم الإنسان حيًّا وميّتًا؛ منَ التمثيل بالجُثَّة أوِ العَبَث بها، فإنَّ تعلُّم الطب يعتبر من الأهداف النبيلة التي تَخْدم الإنسان، وما لا يتم الواجب إلا به يصبح واجبًا، وسنذكر هذه النقطة فيما بعدُ بما تستحقُّه منَ التفصيل، وأقوال الفُقَهاء فيها.
والخلاصة: أنَّ عُلماءَ الطّبِّ من المسلمين، اتَّجَهُوا إلى علم التشريح في الإنسان والحيوان ومَارَسُوه؛ ليتعلَّمُوا الطّبَّ. والإمام الشافعي يقول:"العِلْم عِلْمَان: علم الأديان، وعلم الأبدان". ولا يقوم عِلْم الأبدان إلا بتعلُّم التشريح، ووظائف الأعضاء.
ويقول القاضي الطبيب الفيلسوف الفقيه المالكي أبو الوليد محمَّد بن رشد:"مَنِ اشتغل بالتشريح ازداد إيمانًا بالله".
وسنذْكُر في هذا البحث بعض الأدلة التي تُوَضِّح أن المسلمين قد مارسوا التشريح، وأنهم أسهموا فيه بإسْهَامَات جَمَّة، وأن جهودهم فيه قد أتاحت للبشرية التقدُّم في علم التشريح، وعلوم الطب الأخرى.
وليس صحيحًا أن الأطباء المسلمين كانوا لا يُمَارسُون التشريح؛ بسبب خوفهم من مَحَاكم التفتيش، ومِن بَطْش الفُقهاء كما يدعي"بول غليونجي"حيث يقول:"إني أُرَجِّح أن ابن النفيس قام بصفات تشريحه في الحيوان، إن لم يجرها في جثث آدمية، وكان عليه إجراؤها في جَوٍّ من السرية التامَّة، كما فعل زملاؤه في الغرب في عصر النهضة؛ فإنما فَعَل هذا الإسكات رجالُ الدين؛ كما فعل بعده"جاليليو"، و"كبلر"، و"كوبرنيكس"؛ خوفًا من محاكم التفتيش" [3] :